اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ مَحَبَّةِ اللَّه وَمَحَبَّةِ النَّبِيّ ﷺ وَكَثُرَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِالحَقِيقَةِ إلى اخْتِلافِ مَقَال وَلَكِنَّهَا اخْتِلَافُ أَحْوَالٍ فَقَالَ سُفْيَانُ المَحَبَّةُ اتّبَاعُ الرسول ﷺ كَأنَّهُ التَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني) الآية، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ اعْتِقَادُ نُصْرَتِهِ والذَّبُّ عَنْ سُنَّتِهِ والانْقِيَادُ لَهَا وَهَيْبَةُ مُخَالَفَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ دَوَامُ الذِّكْرِ لِلْمَحْبُوبِ، وَقَالَ آخَرُ: إِيثَارُ المَحْبُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ الشَّوْقُ إِلَى المَحْبُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ مُوَاطَأَةُ الْقَلْبِ لِمُرَادِ الرَّبِّ يُحِبُّ مَا أحَبَّ وَيَكْرَهُ مَا كَرِهَ، وَقَالَ آخَرُ: المَحَبَّةُ مَيْلُ القَلْبِ إِلَى مُوَافِقٍ لَهُ وأكْثَرُ العِبَارَات المُتَقَدّمَةِ إشَارَةٌ إِلَى ثَمَراتِ المَحَبَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ المَيْلُ إلى مَا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لَهُ إِمَّا لاسْتِلْذَاذِهِ بإدْرَاكِهِ كَحُبّ الصُّوَرِ الجَمِيلَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْأَطْعِمَةِ والأشربة الذيذة وأشْبَاهِهَا مِمَّا كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ مَائِلٌ إِلَيْهَا لِمُوَافَقتِهَا لَهُ، أَوْ لاسْتِلْذَاذِهِ بإدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ بَاطِنَةً شَرِيفَةً كَحُبّ الصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءِ وأهْلِ المَعْرُوفِ
[ ٢ / ٢٩ ]
المَأْثُورِ عَنْهُمُ السّيَرُ الجَمِيلَةُ وَالْأَفْعَالُ الحَسَنَةُ فَإنّ طَبْعَ الْإِنْسَان مَائِلٌ إِلَى الشَّغَفِ بأمْثَالِ هَؤْلَاءِ حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ وَالتَّشَيُّعُ من أمَّةٍ فِي آخرِينَ مَا يُؤدّي إلى الجَلاءِ عَنِ الْأَوْطَانِ وهتك الحرم واخترام النُّفُوسِ أَوْ يَكُونَ حُبُّهُ إيّاهُ لِمُوَافَقَته لَهُ من جِهَةِ إحْسَانِهِ لَهُ وَإنْعَامِهِ عَلَيْهِ فَقَدْ جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ من أَحْسَنَ إِلَيْهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا نَظَرْتَ هَذِهِ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ ﷺ فَعَلِمْتَ أنَّهُ ﷺ
جَامِعٌ لِهذِهِ المَعَانِي الثَّلاثَةِ المُوجِبَةِ للمحبة.
أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ والظّاهِرِ وكمالِ الْأَخْلَاقِ وَالبَاطِنِ فَقَدْ قَرَّرْنا مِنْهَا قَبْلُ فِيمَا مَرَّ من الكتاب مالا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ.
وَأَمَّا إحْسَانُهُ وَإنْعَامُهُ عَلَى أمَّتِهِ فَكَذلِكَ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي أوْصَافِ اللَّه تَعَالَى لَهُ من رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ وَهِدَايَتِهِ إيّاهُمْ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمُ وَاسْتِنْقَاذِهِمْ بِهِ مِنَ النَّارِ وأنه بالمؤمنين رؤف رَحِيمٌ وَرَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّه بِإِذْنِهِ وَيَتْلُوا عَلَيْهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَأيُّ إحْسَان أجَلُّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا من إحْسَانِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنينَ، وأيُّ إِفْضَالٍ أَعَمُّ مَنْفَعةً وَأَكْثَرُ فَائِدةً من إنْعَامِهِ عَلَى كَافَّةِ المُسْلِمِينَ؟ إِذْ كَانَ ذَرِيعَتُهُمْ إِلَى الهِدَايَةِ وَمُنِْقذُهُمْ مِنَ العَمَايَةِ وَدَاعِيَهُمْ إِلَى الفَلاحِ وَالكَرَامَةِ وَوَسيلَتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ وَشَفيعَهُمْ وَالمُتَكَلِّمَ عَنْهُمْ وَالشَّاهِدَ لَهُمْ وَالمُوجِبَ لَهُمُ الْبَقَاءَ الدَّائِمَ وَالنَّعِيمَ السَّرْمَدَ فَقَد اسْتَبَانَ لَكَ أنَّهُ ﷺ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَحَبَّةِ الحقيقة شرعا
_________________
(١) (قوله واخترام النفوس) بالخاء المعجمة.
[ ٢ / ٣٠ ]