(فصل) وَأَمَّا الْجُودُ وَالْكَرَمُ وَالسَّخَاءُ وَالسَّمَاحَةُ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهَا بِفُرُوقٍ فَجَعَلُوا الْكَرَمَ الإِنْفَاقَ بِطِيبِ النَّفْسِ فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ وَنَفْعُهُ وَسَمَّوْهُ أَيْضًا جُرْأَةً وَهُوَ ضِدُّ النَّذَالَةِ، والسماحة التجا في عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمَرْءُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِطيبِ نَفْسٍ وَهُوَ ضِدُّ الشَّكَاسَةِ، وَالسَّخَاءُ سُهُولَةُ الْإِنْفَاقِ وَتَجنُّبُ اكْتِسَابِ مالا يُحْمَدُ وَهُوَ الْجُودُ وَهُوَ ضِدُّ التَّقْتِيرِ، فَكَانَ ﷺ لَا يُوَازَى فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمةِ وَلَا يُبَارَى بِهَذَا، وَصَفَهُ كُلُّ مَنْ عَرَفَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ الْكُشْمِيهَنِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ السَّرْخَسِيُّ وأبو إسحاق البلخى قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن شئ فَقَالَ لا.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ وسهل ابن سَعْدٍ ﵁ مِثْلَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَأَجْوَدُ ما كان في شهر رمضان
_________________
(١) يقال مثل يالعبد يمثل كقتل يقتل إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره، وأما مثل بالتشديد فللمبالغة (قوله خطره) بالخاء المعجمة والطاء أي قدره (قوله ضد الشكاسة) هو بفتح الشين المعجمة وتخفيف الكاف وبعدها ألف وسين مهملة، يقال رجل شكس بكسر أوله وسكون ثانيه أي صعب الخلق وقوم شكس بضمهما مثل رجل صدق وقوم صدق (قوله لا يوازى) قال ابن الأثير: الموازاة المقابلة والمواجهة: وفى الصحاح آزيته أي حاذيته ولا تقل وازيته (قوله ابن كثير) بفتح (*)
[ ١ / ١١١ ]
وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى فَاقَةً، وَأَعْطَى غَيْرَ وَاحِدٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ مِائَةً ثُمَّ مِائَةً ثُمَّ مِائَةً، وَهَذِهِ كَانَتْ خُلُقَهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ.
وَرَدَّ عَلَى هَوَازِنَ سباياها
_________________
(١) الكاف وكسر المثلثة بعدها مثناة تحتية (قوله أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ) هو صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ (قوله وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ) بن أسد بن عَبد الْعُزَّى قال الحافظ زين الدين العراقى: ينبغى أن يقال أول من أسلم من الرجال ورقة، لما في الصحيحين من حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قصة بدء الوحى، فإن فيه (أن الوحى تتابع في حياة ورقة وإنه آمن به) وقد ذكر ابن منده: ورقة في الصحابة واختلف في إسلامه انتهى، ونقل الذهبي كلام ابن منده ثم قال: والأظهر إنَّه مات قَبْل الرسالة وبعد نبوة (قوله نحمل الكل) الذى في الصحيحين أن خديجة هي التى قالت ذلك، والكل بفتح الكاف وتشديد اللام: الشئ الثقيل، والمراد هنا نحو اليتيم والضعيف ومن لا قدرة له (قوله وتكسب المعدوم) بفتح أوله قال ابن قرقور: هي أكثر الروايات وأصحها ومعناه تكسبه لنفسه وقيل تكسبه غيرك وتعطيه إياه يقال كسبت مالا وكسبته غيرى، لازم ومتعد، وروى بضم أوله ومعناه تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه فحذف أحد المفعولين، وقيل تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق وقيل المعدوم الرجل العاجز سماه معدوما لكونه كالميت، وفى النهاية يقال كسبت مالا وكسبت زيدا وأكسبت زيدا مالا أي أعنته على كسبه أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فتريد خديجة: إنك تصل إلى كل معدوم وتناله فلا يتعذر لبعده عليك وإن جعلته متعديا إلى اثنين فتريد أنك تعطى الناس الشئ المعدوم عندهم وتوصله إليهم وهذا أولى القولين لأنه أشبه بما قبله في باب التفضل والإنعام إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه ما كان معدوما عنده وإنما الإنعام أن يوليه غيره وباب الحظ والسعادة في الاكتساب غير باب التفضل والإنعام اه. (قوله ورد على هوازن سباياها) وكانت ستة آلاف من الآدميين، وأما الإبل فكانت نحو أربعة وعشرين ألفا، والغنم كانت فوق أربعين ألفا، والورق فأربعة آلاف أوقية من الفضة (*)
[ ١ / ١١٢ ]
وَكَانَتْ سِتَّةَ آلافٍ وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ مِنَ الذَّهَبِ مَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ وَحُمِلَ إليه تِسعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَسَمَهَا فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عندي شئ ولكن ابتع عَلَيَّ فَإِذَا جَاءَنَا شئ قَضَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مالا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ وَلَا تخْشَ مِنْ ذِي العرش إِقْلالًا فَتَبَسَّمَ ﷺ وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ بِهَذَا أُمِرْتُ.
ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَذُكِرَ عَنْ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَ أتيت النبي صلى اللَّه عَلَيْه
_________________
(١) (قَوْله ولكن ابتع) هو بموحدة ثم تاء فوقية (قوله وَذُكِرَ عَنْ مُعَوِّذِ) قال المزى: هذا الحديث روى عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، وأما معوذ فإنه استشهد يوم بدر، ولم يعرف له رواية. وقوله وذكر: يعنى الترمذي ذكر في كتاب الشمائل عن الربيع بنت معوذ، قالت: بعثنى معاذ بن عفراء بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وعليه أجر من قثاء زغب، وكان رسول الله ﷺ يحب القثاء فأتيته بها وعنده خلية قدمت إليه من البحرين فملأ يدى منها فأعطانيه. وفى رواية قالت: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وعليه أجر زغب فأعطاني ملء كفه حليا أو قالت ذهبا، والربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية المكسورة ومعوذ بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو المشددة. وحكى ابن قرقول فتحها وذال معجمة وعفراء بفتح العين المهملة وسكون الفاء، والمد، والقناع بكسر القاف وتخفيف النون بعدها ألف وعين مهملة، وأجر بضم الهمزة وسكون الجيم بعدها راء جمع جرو، وفى الصحاح والجرو والجروة الصغير من القثاء، وفى الحديث أتى النبي صلى الله [٨ - ١] (*)
[ ١ / ١١٣ ]