لم يعرف بشئ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وَأَبَانَ أَمْرَهُ وَعَلَّمَهُ وَأَقْرَأَهُ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْمُطَالَعَةِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَالِهِ ضَرُورَةً وَبِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ نَظَرًا فَلا نُطَوِّلُ بِسَرْدِ الْأَقَاصِيصِ وَآحَادِ الْقَضَايَا، إِذْ مَجْمُوعُهَا مَا لَا يَأخُذُهُ حَصْرٌ وَلَا يُحِيطُ بِهِ حِفْظٌ جَامِعٌ، وَبِحَسَبِ عَقْلِهِ كَانَتْ مَعَارِفُهُ ﷺ إِلَى سَائِرِ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ مَا يَكُونُ وَمَا كَانَ وَعَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ
مَلَكُوتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) حَارَتِ الْعُقُولُ فِي تَقْدِيرِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ وَخَرِسَتِ الْأَلْسُنُ دُونَ وَصْفٍ يُحِيطُ بِذَلِكَ أَوْ ينْتَهِي إليْهِ
(فصل) وَأَمَّا الْحِلْمُ وَالاحْتِمَالُ وَالْعَفْوُ مَعَ المَقْدِرَةِ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يَكرَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الْأَلْقَابِ فَرْقٌ فَإِنَّ الْحِلْمَ حَالَةُ تَوَقُّرٍ وَثَبَاتٍ عِنْدَ الْأَسْبَابِ الْمُحَرِّكَاتِ، والاحْتِمَالَ حَبْسُ النَّفْسِ عِنْدَ الآلامِ وَالْمُؤْذِيَاتِ وَمِثْلُهَا الصَّبْرُ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَأَمَّا الْعَفْوُ فَهُوَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ تَعَالَى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالعرف)
_________________
(١) (قوله خرست) بكسر الراء (قوله مع المقدرة) بضم الدال وفتحها أي القدرة (قوله جبريل) قيل جبريل وميكائيل اسمان أضيفا إلى إيل أو إلى إل، وإيل وإل اسمان لله تعالى، وجبروميك معناه بالسريانية عبد، ورده أبو على الفارسى بأن إيل وإل لا يعرفان من أسماء الله تعالى وبأنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية ولكان آخره مجرورا أبدا كعبد الله، قال النووي: وهذا الذى قاله هو الصواب (*)
[ ١ / ١٠٣ ]
الآيَةَ، رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇ عَنْ تَأْوِيلِهَا فَقَالَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ ثُمَّ ذَهَبَ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَقَالَ لَهُ (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أصابك) الآية وقال تعالى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْم مِن الرسل) وَقَالَ (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) الآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عزم الأمور) وَلَا خَفَاءَ بِمَا يُؤْثَرُ مِنْ حِلْمِهِ وَاحْتِمَالِهِ، وَأنَّ كُلَّ حَلِيمٍ قَدْ عُرِفَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ وَحُفِظَتْ عَنْهُ هَفْوَةٌ وَهُوَ
ﷺ لَا يَزِيدُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَذَى إِلَّا صَبْرًا وَعَلَى إِسْرَافِ الْجَاهِلِ إِلَّا حِلْمًا * حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّغْلِبِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ وَاقِدٍ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت
_________________
(١) (قوله أولو العزم) أي الجد والثبات وفى أنوار التنزيل في قوله تَعَالَى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرسل) من للتبيين وقيل للتبعيض، وأولو العزم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبرا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها، ومشاهيرهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى، وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وابراهيم صبر على النار وذبح ولده، والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه (إنا لمدركون قال كلا إن معى ربى سيهدين) وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة انتهى (*)
[ ١ / ١٠٤ ]
(مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسَهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أصْحَابِهِ شَقًّا شَدِيدًا وَقَالُوا لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمُ فَقَالَ (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِيًا وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي بعض
_________________
(١) (قوله ما خير بَيْنَ أَمْرَيْنَ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا) قَالَ النووي قال القاضى: يحتمل أن يكون تخييره من الله فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فكان يختار الأيسر في هذا كله، قال وأما قولها: ما لم يكن إثما، فيتصور إذا خيره الكفار أو المنافقون، فأما إذا كان التخيير من الله أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا (قوله لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وشج وجهه) الرباعية السن التى بين الثنية والناب وهى بفتح الراء وتخفيف الموحدة وكسر العين المهملة وتخفيف المثناة التحتية، وفى سيرة ابن هشام: أن عُتْبَةَ بن أَبِي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوم أحد فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في وجهه وأن ابن قميئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته، وقد اختلف في إسلام عتبة، والصحيح أنه لم يسلم، قال السهيلي ولم يولد من نسله ولد، فبلغ الحلم إلا وهو أبخر واهم، يعرف ذلك في عقبه، وأما عبد الله بن شهاب فأسلم، وهو جد شيخ مالك محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، وقد قيل لابن شهاب شيخ مالك: أكان جدك عبد الله بن شهاب ممن شهد بدرا؟ فقال نعم، ولكن من ذلك الجانب يعنى مع الكفار، وأما ابن قميئة واسمه عبد الله فنطحه تيس فتردى من شاهق، وفى مستدرك الحاكم: أنه لما فعل عتبة ما فعل جاء حاطب بن = = أبى بلتعة فقال يا رسول الله من فعل هذا بك؟ فأشار إلى عتبة، فتبعه حاطب حتى قتله وجاء بفرسه إلى رسول الله ﷺ (*)
[ ١ / ١٠٥ ]
كَلَامِهِ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنا مِثْلَهَا لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا فَلَقَدْ وطئ ظَهْرُكَ وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ وكسرت رباعيتك فأتبى أَنْ تَقُولَ إِلَّا خَيْرًا فَقُلْتَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: انْظُرْ مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِمَاعِ
الْفَضْلِ وَدَرَجَاتِ الْإِحْسَانِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَكَرَمِ النَّفْسِ وَغَايَةِ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ، إِذْ لَمْ يَقْتَصِرْ ﷺ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُمْ حَتَّى عَفَا عَنْهُمْ ثُمَّ أشْفَقَ عَلَيْهِمُ وَرَحِمَهُمْ وَدَعَا وَشَفَعَ لَهُمْ فَقَالَ اغْفِرْ أَوِ اهْدِ، ثُمَّ أَظْهَرَ سَبَبَ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ بِقَوْلِهِ لِقَومِي، ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْهُمْ بِجَهْلِهِمْ فَقَالَ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ولما قَالَ لَهُ الرَّجُلُ اعْدِلْ فَإِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ: لَمْ يَزِدْهُ فِي جَوَابِهِ أن بَيَّنَ لَهُ مَا جَهِلَهُ وَوَعَظَ نَفْسَهُ وَذَكَّرَهَا بِمَا قَالَ لَهُ فَقَالَ وَيْحَكَ (فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) وَنَهَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ قَتْلَهُ، وَلَمَّا تصدى
_________________
(١) (قوله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي بأبى أنت مفدى وبأمى أي بأبى فديتك أنت وبأمى (قوله ولما قَالَ لَهُ الرجل اعدل) هو ذو الخويصرة التميمي قتل في الخوارج يوم النهروان ويقال حرقوص، كذا في تجريد الذهبي (قوله خبت وخسرت) بضم التاء الفوقية فيهما، كذا عن المزى حال القراءة عليه لأنه معلق بعدم العدل الذى هو معصوم مِنْه ﷺ وليلائم قول القاضى وعظ نفسه وذكرها (قوله وَنَهَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ قَتْلَهُ) هو خالد بن الوليد، وقيل عمر (قوله وَلَمَّا تَصَدَّى لَهُ غورث) هو بغين معجمة = = مفتوحة وقد تضم فواو ساكنة فراء مفتوحة فثاء مثلثة: أسلم وصحب النبي ﷺ بعد ذلك (*)
[ ١ / ١٠٦ ]
لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ لِيَفْتِكَ بِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْتَبِذٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَحْدَهُ قَائِلًا وَالنَّاسُ قَائِلُونَ فِي غَزَاةٍ فَلَمْ يَنْتَبِه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: اللَّهُ، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ: فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، فَتَرَكَهُ وَعَفَا عَنْهُ، فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدَ خَيْرِ النَّاسِ * وَمِنْ عَظِيمِ خَبَرِهِ فِي الْعَفْوِ عَفْوُهُ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ فِي الشَّاةِ بَعْدَ اعْتِرَافِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤَاخِذْ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ إِذْ سَحَرَهُ وَقَدْ أُعْلِمَ بِهِ وَأُوحِيَ إليه لشرح أَمْرِهِ، وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ مُعَاقَبَتِهِ
_________________
(١) = مفتوحة وقد تضم فواو ساكنة مفتوحة فثاء مثلثة: أسلم وصحب النبي ﷺ بعد ذلك (قوله ليفتك به) الفتك أن يأتي الرجل إلى آخر ليقتله وهو غافل (قوله منتبذ) بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر الباء الموحدة بعدها ذال معجمة أي جالس في ناحية (قوله قائلا) من القيلولة (قوله في غزاة ذات الرقاع (قوله صلتا) بفتح الصاد المهملة وضمها وفى آخره مثناة فوقية أي مسلولا (قوله عَنِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سمته) في مغازى مُوسَى بن عُقْبَة والدلائل للبيهقي أن اسمها زينب بنت الحارث بن سلام، وقال ابن قيم الجوزية هي امرأة سلام بن مشكم، واختلف فيها فروى ابن اسحاق أنه صفح عنها، وروى أبو داود أنه قتلها وصلبها، وجمع بين هاتين الروايتين بأنه صفح عنها، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من الأكلة التى أكلها مع النبي ﷺ من الشاة قتلها به قصاصا، وذلك أن بشرا لم يزل معتلا من تلك الأكلة حتى مات منها بعد حول، ويقال إنه مات في الحال. وفى جامع معمر عن الأزهري أنه قال أسلمت فتركها، قال معمر والناس يقولون قتلها وأنها لم تسلم (قوله لبيد بن الأعصم) جاء التصريح بأنه يهودى في الصحيحين وقد هلك = = على يهوديته (*)
[ ١ / ١٠٧ ]
وَكَذَلِكَ لَمْ يُؤَاخِذْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَشْبَاهَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِعَظِيمِ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي جِهَتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا بَلْ قَالَ لِمَنْ أَشَارَ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ (لَا، لِئَلَّا يُتَحَدَّثُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَجَبَذَهُ أَعْرَابِيٌّ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى أثَّرَتْ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ فِي صَفْحَةِ عَاتِقِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ (الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَأَنَا عَبْدُهُ - ثُمَّ قَالَ وَيُقَادُ مِنْكَ يَا أَعْرَابِيُّ مَا فَعَلْتَ
بِي) قَالَ لَا، قَالَ (لِمَ؟) قَالَ لأَنَّكَ لَا نكافي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرٌ وعَلَى الآخَرِ تَمْرٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةِ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَمْ تَكُنْ حُرْمَةً مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلًَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً، وجئ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ فَقِيلَ هَذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ (لَنْ تُرَاعَ لَنْ تُرَاعَ وَلَوْ أَرَدْتَ ذَلِكَ لَمْ تُسَلَّطْ عَلَيَّ) وجاءه
_________________
(١) (قوله عبد الله بن أبى) هو عبد الله بن أبى ابن سلول بتنوين أبى وكتابة ألف بعدها لأن سلول أم عبد الله وزوجة أبى فلو لم يفعل ذلك لنوهم إن سلول أم أبى وليس كذلك (قوله وَأَشْبَاهَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ) قال ابن عباس كان المنافقون من الرجال ثلاثمائة ومن النساء مائة وسبعين (قوله لا يكافئ) بهمزة في آخره (قوله لن تراع) أي لا خوف عليك (قوله وَجَاءَهُ زَيْدُ بْنُ سعنة هو بسين (*)
[ ١ / ١٠٨ ]
زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ يَتَقاضَاهُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَجَبَذَ ثَوْبَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ وأخذ بمجامع نيابه وَأَغْلَظَ لَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُطْلٌ فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ وَشدَّدَ لَهُ فِي الْقَوْلِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بتبسم فقال رسول الله ﷺ (وأنا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ أَحْوَجُ يَا عُمَرُ: تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْقَضَاءِ وَتَأْمُرُهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَجْلِهِ ثَلَاثٌ، وَأَمَرَ عُمَرَ يَقْضِيهِ مَالَهُ وَيَزِيدُهُ عِشْرِينَ صَاعًا لِمَا رَوَّعَهُ فَكَانَ سَبَبَ إِسْلَامِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَا بَقِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النبوة شئ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبِرْهُمَا: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ إِلَّا حِلْمًا، فَأَخْبَرْتُهُ بِهَذَا فَوَجَدْتُهُ كَمَا وُصِفَ، وَالْحَدِيثُ عَنْ
حِلْمِهِ ﷺ وصبر وَعَفْوِهِ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ أكثر من أن تأتى عَلَيْهِ، وَحَسْبُكَ مَا ذَكرْنَاهُ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ وَالْمُصَنَّفَاتِ الثَّابِتَةِ إِلَى مَا بَلَغَ مُتَوَاتِرًا مَبْلَغَ الْيَقِينِ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مُقَاسَاةِ قُرَيْشٍ وَأَذَى الْجَاهِلِيَّةِ وَمُصَابَرَةِ الشَّدَائِدِ الصَّعْبَةِ مَعَهُمْ إِلَى أَنْ أَظْفَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ
_________________
(١) مفتوحة مهملة وعين ساكنة مهملة ونون مفتوحة: قال ابن ماكولا في إكماله: هو حبر يهودى له ذكر في حديث لعبد الله بن سلام وقال النووي في تهذيبه: هو من أحبار اليهود الذى أسلم وحسن إسلامه وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهد كثيرة وتوفى فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مقبلا إلى المدينة، وأما أسيد بن سعية: أسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، وسعية والده بفتح السين وسكون العين المهملتين بعدهما مثناة تحتية، قال الذهبي في التجريد زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ بالنون أصح وأسيد بن سعية بالياء أصح (قوله مطل) بضم الميم والطاء المهملة جمع مطول على وزن فعول بمعنى فاعل كغفور (*)
[ ١ / ١٠٩ ]
وَهُمْ لَا يَشُكَّونَ فِي اسْتِئْصَالِ شَأْفَتِهِمْ وَإِبَادَةِ خَضْرَائِهِمْ فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ عنا وَصَفَحَ، وَقَالَ (مَا تَقُولُونَ إِنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، فَقَالَ أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفَ: لا تثريب عليكم الآيَةَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ) وَقَالَ أَنَسٌ هَبَطَ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ التَّنْعِيمِ صَلَاةَ الصُّبْحِ لِيَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُخِذُوا فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) الآيَةَ وَقَالَ لأَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ سِيقَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ جلب إليه الْأَحْزَابَ وَقَتَلَ عَمَّهُ وَأَصْحَابَهُ وَمَثَّلَ بِهِمْ فَعَفَا عنه ولا طفه فِي الْقَوْلِ: (وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَئْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وَأَوْصَلَكَ وَأَكَرَمَكَ) وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدَ النَّاسِ غَضَبًا وَأَسْرَعَهُمْ رضى، ﷺ.
_________________
(١) وغفر من المطل وهى اللى بالدين (قوله شأفتهم) بشين معجمة وهمزة ساكنة وفاء مخففة وتاء فوقية، في الصحاح: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب يقال في المثل استأصل الله شأفته أي أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكى (قوله خضرائهم) بفتح الخاء وإسكان الضاد المعجمتين بعدها راء فهمزة ممدودة أي جماعتهم وأشخاصهم (قوله تثريب) قيل معناه لا تغيير وقيل لا تأنيب وقيل لا تبغيض وقيل لا أنا في قبول عذركم (قوله الطلقاء) بضم الطاء المهملة وفتح اللام جمع طليق وهو الأسير إذا أطلق وخلى سبيله (قوله من التنعيم) هو من مكة على ثلاثة أميال من جهة المدينة سمى بذلك لأن عن يمينه جبلا يقال له نعيم وعن شماله جبلا يقال له ناعم وبه واد يقال له نعمان (قوله الأحزاب) هم أهل الخندق وكانوا ثلاثة عساكر وعدتهم عشرة آلاف، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وكان في شوال سنة خمس (قوله ومثل بهم) (*)
[ ١ / ١١٠ ]