مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وقال أبو هريرة ﵁ ما رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللِّهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ وَإِذَا ضَحِكَ يَتَلأْلأُ فِي الْجُدُرِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ
السَّيْفِ؟ فَقَالَ لَا بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَانَ مُسْتَدِيرًا وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ: أَجْمَلُ النَّاسِ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْلَاهُ وَأحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنُ أَبِي هَالَةَ يَتَلألأ وَجْهُهُ تَلألُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي آخِرِ وَصْفِهِ لَهُ: مَنْ رَآهُ بِدِيهَةً هَابَهُ ومَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ، وَالْأحَادِيثُ فِي بَسْطِ صِفَتِهِ مَشْهُورَةٌ كَثِيرَةٌ فَلَا نُطَوِّلُ بِسَرْدِهَا وَقَدِ اخْتَصَرْنَا فِي وَصْفِهِ نُكَتَ مَا جَاءَ فِيهَا وَجُمْلَةً مِمَّا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي الْقَصْدِ إِلَى الْمَطْلُوبِ وَخَتَمْنَا هَذِهِ الْفُصُولَ بِحدِيثٍ جَامعٍ لِذَلِكَ نَقِفُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
(فصل) وَأَمَّا نَظَافَةُ جِسْمِهِ وَطِيبُ رِيحِهِ وَعَرَقِهِ وَنَزَاهَتُهُ عَنِ الْأَقْذَارِ وَعَوْرَاتِ الْجَسَدِ فَكَانَ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِخَصَائِصٍ لَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ تَمَّمَهَا بِنَظَافَةِ الشَّرْعِ وَخِصَالِ الْفِطْرَةِ الْعَشْرِ وقال
_________________
(١) (قوله مِنْ ذِي لِمَّةٍ) اللمة بكسر واللام: هي شعر الرأس دون الجمة وسميت به لأنها تلم بالمنكبين (قوله فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) الحلة ثوبان غير لفيفين إزار ورداء (قوله في الجدر) بضم الجيم والدال: جمع جدار وهو الحائط، (*)
[ ١ / ٦١ ]
بُنِيَ الدِّينُ عَلَى النَّظَافَةِ * حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ الْجُلُودِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلَا مِسْكًا وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ * وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أنَّهُ ﷺ مَسَحَ خَدَّهُ قَالَ فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا
وَرِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ قَالَ غَيْرُهُ مَسَّهَا بِطِيبٍ أَمْ لَمْ يَمَسَّهَا يُصَافِحُ الْمُصَافِحَ فَيَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيحِهَا وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
_________________
(١) (قوله بُنِيَ الدِّينُ عَلَى النظافة) قال الحافظ زين الدين العراقى لم أجده هكذا بل في الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة تنظفوا فإن الإسلام نظيف، وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث ابن مسعود: النظافة تدعو إلى الإسلام (قوله سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي) بن أحمد بن العاصى بن سُفْيَانُ بن عيسى الأسدى أبو بحر أصله من بلنسية ثم سكن تلمسان ثُمّ رَجَع إِلَى قرطبة فرأس بها (قوله الجلودى) هو بضم الجيم بِلَا خِلَاف قَال أبو سعيد السمعائى منسوب إلى الجلود جمع جلد وقال أبو عمرو بن الصلاح إلى سكة الجلود من نيسابور (قوله ما شممت) هو بكسر الميم في الماضي على الأفصح وفتحها في المضارع، لا بفتحها في الماضي وضمها في المضارع (قوله مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ) الجؤنة بضم الجيم وسكون الهمزة وقد تسهل سقط مغشى بجلد يجعل فيه العطار طيبه (قوله فيظل) ظللت أفعل كذا بكسر اللام أظل بفتحها، ونقل حركتها إلى الظاء إذا فعلته نهارا وقد تكون ظل بمعنى دام.
[ ١ / ٦٢ ]
وَسَلَّمَ فِي دَارِ أَنَسٍ فَعَرِقَ فَجَاءَتْ أُمُّهُ بِقَارُورَةٍ تَجْمَعُ فِيهَا عَرَقَهُ فَسَأَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ جَابِرٍ لَمْ يكن النبي ﷺ يمر في طريق فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِهِ وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ رَائِحَتَهُ بِلَا طِيبٍ ﷺ وَرَوَى الْمُزَنِيُّ وَالْحَرْبِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ فَالْتَقَمْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بِفَمِي فَكَانَ ينم عَلَيَّ مِسْكًا وَقَدْ
حَكَى بَعْضُ الْمُعْتَنِينَ بِأَخْبَارِهِ وَشَمَائَلِهِ ﷺ أنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ انْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَابْتَلَعَتْ غَائِطَهُ وَبَوْلَهُ وَفَاحَتْ لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ﷺ وَأَسْنَدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ فِي هَذَا خَبَرًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّكَ تَأْتِي الْخَلَاءَ فَلَا نَرَى مِنْكَ شَيْئًا مِنَ الْأَذَى فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَوَ مَا عَلِمْتِ أَنَّ الْأَرْضَ تَبْتَلِعُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يُرَى مِنْهُ شئ؟ وهذا
_________________
(١) (قوله فجاءت أمه) أي أم أنس وهى أم سليم واسمها سهلة وقيل رميلة وقيل أنيسة وقيل بليلة وقيل الرميصا وقيل الغميصا وأم سليم هذه وأخنها أم ملحان خالتا النبي ﷺ من جهة الرضاع (قوله بقارورة) إناء من زجاج (قوله عَنْ جَابِرٍ أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ ﷺ) عُدْ بعضهم من أردفه النبي ﷺ على فرس أو غيره فبلغ بهم نيفا وأربعين (قوله فكان ينم) هو بكسر النون يقال نمت الريح إذا جلبت الرائحة، وفى بعض النسخ يثج بالمثلثة المكسورة والجيم أي يسيل. (*)
[ ١ / ٦٣ ]
الْخَبَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِطَهَارَةِ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ مِنْهُ ﷺ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي شَامِلِهِ وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَابِقٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَدِيعِ فِي فُرُوعِ الْمَالِكِيَّةِ وَتَخْرِيجِ مَا لَمْ يَقَعْ لَهُمْ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ تَفَارِيعِ الشَّافِعِيَّةِ وَشَاهِدُ هَذَا أنه ﷺ لم يكن منه شئ يُكْرَهُ وَلَا غَيْرُ طَيِّبٍ * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ غَسَّلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ فَلَمْ أَجَدْ شَيْئًا فَقُلْتُ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا قَالَ وَسَطَعَتْ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قِطُّ ومثله قال أبو بكر ﵁ حين قبل النبي ﷺ بعد موته * ومنه شُرْبُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ دَمَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَصُّهُ إِيَّاهُ وَتَسْوِيغُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ وَقَوْلُهُ لَهُ لَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ، وَمِثْلُهُ شُرْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ دَمَ حِجَامَتِهِ فَقَالَ ﵇ وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكَ
_________________
(١) (قوله وسطعت) أي ارتفعت (قوله قط) هو توكيد لنفى الماضي وفيه لغات فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة، وفتح القاف وتشديد الطاء المكسورة، وفتح القاف وإسكان الطاء وفتح القاف وكسر الطاء المخففة (قوله ومنه شُرْبُ مَالِكِ بن سنان) هو أبو سعيد الخدري وَمِثْلُهُ شُرْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ دَمَ حجامته رواه الحاكم والبزاز والبيهقي والطبراني والدارقطني وقد شرب أيضا دمه ﵇ أبو طيبة واسمه دينار وقيل نافع عاش مائة وأربعين سنة وسالم بن الحجاج فقال له ﵇ لا تعده فإن الدم كله حرام وسفينة مَوْلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ رواه البيهقى وعلى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ذكره الرافعى في الشرح الكبير قال ابن الملقن ولم أجده في كتب الحديث. (*)
[ ١ / ٦٤ ]
وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ لها لَنْ تَشْتكِي وَجَعَ بَطْنِكِ أَبَدًا، وَلَمْ يَأْمُرْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِغَسْلِ فَمٍ وَلَا نَهَاهُ عَنْ عَوْدَةٍ.
وَحَدِيثُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَحِيحٌ أَلْزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ مسلما وَالْبُخَارِيُّ إِخْرَاجَهُ فِي الصَّحِيحِ، وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بَرَكَةُ وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهَا وَقِيلَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ وَكَانَتَ تَخْدُمٌ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَتْ وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ فَبَالَ فِيهِ لَيْلَةً ثُمَّ افْتَقَدَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا فَسَأَلَ بَرَكَةَ عَنْهُ فَقَالَتْ قُمْتُ وَأَنَا عَطْشَانَةٌ فَشَرِبْتُهُ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ، رَوَى حَدِيثَهَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قد ولد مختونا
_________________
(١) (قوله فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ بوله) هَذِهِ الْمَرْأَةِ بَرَكَةُ حاضنته ﷺ وهى حبشية أعتقها ﵇ حين تزوج خديجة وزوجها عبيد الحبشى فولدت له أيمن وكتبت به ثم بعد النبوة تزوجها زيد بن حارثة فأولدها أسامة قال الواقدي كانت أم أيمن عسرة اللسان فكانت إذا دخلت قالت (سلام لا عليكم) فرخص لها رسول الله ﷺ سلام عليكم والسلام عليكم (قوله وأنا عطشانة) كذا وقع وصوابه عطشى لأنه مؤنث عطشان (قوله قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ) العيدان بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وبالدال المهملة جمع عيدانة وهى النخلة الطويلة قال الأصمعى إذا صار للنخلة جذع يتناول منه فتلك العظيد، فإذا أنابت الأيدى فهى الجنازة فإذا ارتفعت فهى الرفلة وعند أهل نجد عيدانة (قوله قَدْ وُلِدَ مَخْتُونًا) وقيل ختن يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة وقيل ختنه جده يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا وقد ذكر الحاكم في المستدرك ما لفظه: وقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ ولد مسرورا مختونا وتعقبه الذهبي فقال ما أعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا؟ وذكر ابن الجوزى عن كعب الأحبار أن ثلاثة عشر من الأنبياء خلقوا مختونين آدم وشيث وإدريس ونوح = (*)
[ ١ / ٦٥ ]