طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكُهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ من أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، ومثل من عَصَانِي وَكَذّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقّ) وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ فِي مَثَلِهِ: كَمَثَلِ من بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَمَنْ يُجِبِ الدَّاعِي لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ فَالدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ فمن أطاع محمد فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) .
فصل وَأَمَّا وَجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالِ سُنَّتِهِ وَالاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وَقَالَ (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تهتدون) وَقَالَ (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - تسليما) أي يَنْقَادُوا لِحُكْمِكَ، يقال سَلَّمَ وَاسْتَسْلَمَ وَأَسْلَمَ إذَا انْقَادَ.
وَقَالَ تَعَالَى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسول
_________________
(١) (قوله واجتاحهم) بالجيم في أوله والحاء المهملة في آخره أي استأصلهم (قوله مأدبة) بضم الدال المهملة وفتحها، في القاموس: هي طعام صنع لدعوى أو عرس (قوله فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) بإسكان الراء أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بالإيمان من المؤمنين وعدمه من الكافرين (قوله بهدية) بفتح الهاء وسكون الدال أي بطريقه ومذهبه. (*)
[ ٢ / ٨ ]
الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر) الآيَةَ، قَالَ مُحَمَّد بن عَلِيٍّ التَرْمِذيّ: الْأُسْوَةُ فِي الرَّسُول الاقْتِدَاءُ بِهِ وَالاتّبَاعُ لِسُنّتِهِ وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسّرِينَ بِمَعْنَاهُ وَقِيلَ هُوَ عِتَابٌ لِلْمُتَخَلّفِينَ عَنْهُ وَقَالَ سَهْلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) قَالَ بِمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ فَأَمَرَهُمْ تَعَالَى بِذَلِكَ وَوَعَدَهُمُ الاهْتِدَاءَ بِاتِّبَاعِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُزَكِّيَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيَهْدِيَهُمْ إلى صراط فمستقيم وَوَعَدَهُمْ مَحَبَّتَهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ الْأُخْرَى وَمَغْفِرَتِهِ إِذَا اتَّبَعُوهُ وَآثَرُوهُ عَلَى أَهْوَائِهِمْ وَمَا تَجْنَحُ إليْهِ نُفُوسُهُمْ وَأَنَّ صِحّةَ إيمَانهِمْ بانْقِيَادِهِمْ لَهُ وَرِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، وَرُويَ عَنِ
الْحَسَنِ أَنَّ أَقْوَامًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه أنا نُحِبُّ اللَّه فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله) الآيَةَ، وَرُوِيَ أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُمْ قَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَنَحْنُ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ مَعْنَاهُ (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) أَنْ تَقْصِدُوا طَاعَتَهُ فافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، إِذْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ طَاعَتُهُ لَهُمَا وَرِضَاهُ بِمَا أَمَرَا وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُمْ عَفْوُهُ عَنْهُمْ وَإنْعَامُهُ عَلَيْهِم بِرَحْمَتِهِ، وَيُقَالُ الْحُبُّ مِنَ اللَّه عِصْمَةٌ وَتَوْفِيقٌ وَمِنَ الْعِبَادِ طَاعَةٌ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: تَعْصي الإلهَ وَأَنْتَ تُظْهرُ حُبَّهُ؟ * هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ!
[ ٢ / ٩ ]
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صادقًا لأطَعْتَهُ * إنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ! وَيُقَالُ مَحَبَّة الْعَبْدِ لله تَعْظِيمُهُ لَهُ وَهَيْبَتُهُ مِنْهُ وَمحبَّة اللَّه لَهُ رَحْمَتُهُ لَهُ وَإرَادَتُهُ الجيل لَهُ وَتَكُونُ بِمَعْنَي مَدْحِهِ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَي الرَّحْمَةِ وَالإرَادَةِ والمَدْح كَانَ من صِفاتِ الذَّاتِ وَسَيَأْتِي بَعْدُ فِي ذكر محبة مَحَبَّةِ الْعَبْدِ غَيْرُ هَذَا بِحَوْلِ اللَّه تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق إبراهيم ابن جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَصْبَغِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ وَحَدَّثْنَا أَبُو الْحَسَنِ يُونُسُ بْنُ مُغِيثٍ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالا حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدثنا أَبُو حَفْصٍ الجُهَنِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الجَوْزِيُّ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ وَحُجْرٍ الكَلَاعِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فِي حَدِيثِهِ فِي مَوْعِظَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) زاد
_________________
(١) (قوله الجوزى) بالجيم المفتوحة والزاى المكسورة إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى كذا ذكره ابن ماكولا وغيره (قوله عن عبد الرحمن بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ) كذا في بعض النسخ وصوابه السلمى بضم السين المهملة وفتح اللام كما في سنن أبى داود وجامع الترمذي وأطراف المزى وكتب الأسماء (قوله بالنواجذ) بالذال المعجمة قال النووي هي الأنياب وقيل الأضراس وفى النهاية أن النواجذ مشتهرة بأواخر الأسنان وفى الصحاح الناجذ آخر الأضراس، ولإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الأرجاء ويسمى ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. (*)
[ ٢ / ١٠ ]
فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَعَنَاهُ (وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) وَفِي حَدِيث أَبِي رَافِعٍ عَنْهُ ﷺ (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) وَفِي حَدِيث عَائِشَةَ ﵂ صَنع رَسُولُ اللَّه ﷺ شَيْئًا تَرَخّصَ فِيهِ فَتَنَزّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّه ثُمَّ قَالَ (مَا بَالُ قَوْمٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشئ أصنعه؟ فو الله إِنِّي لِأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَرُويَ عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ (الْقُرْآنُ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلَى من كَرِهَهُ، وَهُوَ الْحَكَمُ، فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِي وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ جَاءَ مَعَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْقُرْآنِ وَحَدِيثِي خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، أُمِرَتْ أُمَّتِي أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِي وَيُطيعُوا أَمْرِي وَيَتَّبِعُوا سُنَّتِي، فَمَنْ رَضِيَ بقوله فقدر رَضِيَ بِالْقُرْآنِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) الآيَةَ وَقَالَ ﷺ (مَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
_________________
(١) (قوله وفي حديث أبي رافع) هو مَوْلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ قيل اسمه إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز (قوله لا ألفين) بضم الهمزة وكسر الفاء وفتح المثناة التحتية وتشديد النون أي لا أجدن (قوله على أريكته) الأريكة السرير في الحجلة من دونه ستر ولا يسمى السرير منفرد أريكة وقيل هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة قاله ابن الأثير، وفى الصحاح الأريكة سرير مزين في قبة أو بيت وَإذَا لَم يَكُن فيه سرير فهو حجد والجمع الأرائك (قوله مستصعب) بكسر العين من استصعب الأمر بمعنى صعب (قوله وهو الحكم) بفتح الحاء والكاف. (*)
[ ٢ / ١١ ]
عن النبي ﷺ أنه قَالَ (إنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأمور محدثاتها) وَعَن عَبْد اللَّه بن عَمْرو بن العاص رصي اللَّه عَنْهُ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ (الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحَكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) وَعَنِ الْحَسَنِ بن أَبِي الْحَسَنِ رَحِمهما اللَّه تَعَالَى قَالَ ﷺ عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ ﵇ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ تَمَسَّكَ بِهَا) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ) وَقَالَ ﷺ (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ أُمَّتِي تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كُلُّهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَةً) قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي) وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ ﷺ (مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلالِ بْنِ الْحَارِثِ (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ
_________________
(١) (قوله وخير الهدى) بفتح الهاء وسكون الدال بمعنى السمت والطريقة، أو بضم الهاء وفتح الدال ضد الضلال (قوله أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) قال ابن الأثير أراد العدل في القسمة أي معدلة على السهام المذكور في الكتاب والسنة من غير جور، ويحتمل أن يريد أنها مستنبطة مِن الْكِتَاب وَالسُّنَّة فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخر عنها انتهى (قوله وعن الحسن بن أبى الحسن) هو البصري. (*)
[ ٢ / ١٢ ]