مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا)
(فصل) وأما وَرَدَ عَنِ السّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتّبَاعِ سُنّتِهِ والاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي تَلِيدٍ الْفَقِيهُ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَوَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُلَاةُ الأمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا الأخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ بِكِتَابِ اللَّه وَاسْتِعْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّه وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّه لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُها وَلَا تَبْدِيلُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْي من خَالَفَهَا، مَنِ اقْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ وَمَنِ انْتَصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ وَلَّاهُ اللَّه مَا تَوَلَّى وأصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وَقَالَ الْحَسَنُ بن أَبِي الْحَسَنِ: عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ من
_________________
(١) (قوله خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة. (*)
[ ٢ / ١٣ ]
عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، وَقَالَ ابن شِهَاب بَلَغَنَا عَنْ رِجَال من أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: الاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَكَتَبَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى عُمَّالِهِ بِتَعَلُّمِ السُّنَّةِ وَالفَرَائِضِ وَاللَّحْنِ أَي اللُّغَةِ وَقَالَ إنَّ ناسًا يُجَادلُونَكُمْ - يَعْنِي بِالْقُرْآنِ - فَخُذُوهُمْ بالسُّنَنِ فَإِنَّ أصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَاب اللَّه، وَفِي خَبَرِهِ حِينَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَصْنَعُ، وَعَنْ عَلِيٍّ حِينَ قَرَنَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ تَرَى أَنِّي أَنْهَى النَّاسَ عَنْهُ وَتَفْعَلُهُ؟ قَالَ لَمْ أَكُنْ أَدَعُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَعَنْهُ: إلَّا أنَّي لَسْتُ بِنَبِيّ وَلَا يُوحى إِلَيَّ وَلَكِنّي أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا اسْتَطَعْتُ، وَكَانَ ابن مَسْعُودٍ يَقُولُ: القَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ، وَقَالَ ابن عُمَرَ: صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ، وَقَالَ أُبَيُّ بن كَعْبٍ عَلَيْكُمْ بِالسّبِيلِ وَالسُّنَّةِ فَإنَّهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ من عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّه فِي نَفْسِهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ من خَشْيَةِ رَبِّهِ فَيُعَذّبُهُ اللَّه أبَدًا، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ من عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّه فِي نَفْسِهِ فاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ من خَشْيَةِ اللَّه إلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ قَدْ يَبِسَ وَرَقُهَا فَهِيَ كَذَلِكَ إِذْ
_________________
(١) (قوله واللحن) بإسكان الحاء المهملة (قوله بذى الحليفة) ماء من مياه بنى جشم على ستة أميال وقيل سبعة من المدينة (قوله القَصْدُ فِي السُّنَّةِ) أي الوسط بين الطرفين الإفراط والتفريط (قوله مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كفر) أي من خالفها مستحلا مخالفتها أو المراد بالكفر كفر النعمة. (*)
[ ٢ / ١٤ ]
أَصَابَتْهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَتَحَاتَّ عَنْهَا وَرَقُهَا إلَّا حُطَّ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَات عَنِ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا، فَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ وَمُوافَقَةِ بِدْعَةٍ، وَانْظُرُوا أنْ يَكُونَ عَمَلكُمْ إنْ كَانَ اجتهدا أَوِ اقْتِصَادًا أنْ يَكُونَ عَلَى مِنْهَاج الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ * وَكَتَبَ بَعْضُ عُمَّالِ عُمَرَ بن عَبْد الْعَزِيزِ إِلَى عُمَرَ بِحَالِ بَلَدِهِ وَكَثْرَةِ لُصُوصِهِ: هَلْ يَأْخُذُهُمْ بِالظّنَّةِ أَوْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْبَيّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ؟ فَكَتَبَ إليْهِ عُمَرُ خُذْهُمْ بِالبَيّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فإنْ لَمْ يُصْلِحْهُمُ الْحَقُّ فَلَا أصْلَحَهُمُ اللَّه، وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شئ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرسول) أَيْ إِلَى كِتَابِ اللَّه وَسَنَّةِ رَسُولِ اللَّه صلى اله عله وَسَلَّمَ، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ إلَّا اتّبَاعُهَا، وَقَالَ عُمَرُ وَنَظَرَ إِلَى الحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَوْلَا أَنّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقَبّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ثُمَّ قبله، رؤى عبد الله بن عمر يدبر ناقَتَهُ فِي مَكَانٍ فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ لَا أدْرِي إلَّا أَنّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَعَلَهُ فَفْعَلْتُهُ، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْحِيريُّ: من أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالْبِدْعَة، وقال
_________________
(١) (قوله فتحات) بالحاء المهملة أي فتناثر (قوله بالظنة) بكسر الظاء المعجمة المشالة وتشديد النون المفتوحة أي التهمة (قوله وقال أبو عثمان الحيرى) بحاء مهلمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء وياء للنسبه إلى محلة بنيسابور تعرف بالحيرة هو شيخ الصوفية بنيسابور، ذكره القشيرى في الرسالة وذكر هَذَا الْحَدِيث عَنْه. (*)
[ ٢ / ١٥ ]