مَقْطُوعَ السُّرَّةِ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّهِ آمِنَةَ أَنَّهَا قَالَتْ وَلَدْتُهُ نَظِيفًا مَا بِهِ قَذَرٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ ما رأيت فرج رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطُّ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ لَا يُغَسِّلُهُ غَيْرِي فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ، وَفِي حَدِيثِ عِكْرمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه ﷺ نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يتوظأ قال عكرمة لأَنَّهُ ﷺ كَانَ مَحْفُوظًا.
(فصل) وَأَمَّا وُفُورُ عَقْلِهِ وَذَكَاءُ لُبِّهِ وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ وَفَصَاحَةُ لِسَانِهِ وَاعْتِدَالُ حَرَكَاتِهِ وَحُسْنُ شَمَائِلِهِ فَلَا مِرْيَةَ أنَّهُ كَانَ أَعْقَلَ النَّاسِ وَأَذْكَاهُمْ، وَمَنْ تَأَمَّلَ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ بَوَاطِنِ الْخَلْقِ وَظَوَاهِرِهِمْ وَسِيَاسَةَ العامة والخاصة
_________________
(١) = وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبي ﷺ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حبيب الهاشمي هم أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبى أصحاب الرأس ومحمد ﷺ (قوله وَرُوِيَ عَنْ أُمِّهِ آمنة) توفيت أمه وهو ﵇ ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة وهى راجعة من المدينة وكان معها أم أيمن فرجعت به ﵇ إِلَى مكة ولما مر بالأبواء في عمرة الحديبية زار قبرها وقيل ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وقيل ابن ثمان سنين وقيل ابن تسع وقيل ابن ثنتى عشرة سنة (قوله غطيط) هو بالعين المعجمة المفتوحة والطاء المهملة المكسورة وبالمثناة التحتية الساكنة فالطاء المهملة، صوت يخرج من نفس النائم (قوله فلا مرية) المرية بكسر الميم وقد تضم: الشك وقرئ بهما في قوله تعالى (فَلا تَكُ فِي مرية) . (٥ - ١) (*)
[ ١ / ٦٦ ]
مع عجب شَمَائِلِهِ وَبَدِيعِ سِيَرِهِ فَضْلًا عَمَّا أَفَاضَهُ مِنَ الْعِلمِ وَقَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْعِ دُونَ تعلم سَبْقٍ وَلَا مُمَارَسَةٍ تَقَدَّمَتْ وَلَا مُطَالَعَةٍ لِلِْكُتُبِ مِنْهُ: لَمْ يَمْتَرِ فِي رُجْحَانِ عَقْلِهِ وَثُقُوبِ فَهْمِهِ لِأَوَّلِ بَدِيهَةٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ لِتَحَقُّقِهِ وَقَدْ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَابًا فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا وأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَوَجَدْتُ فِي جَميعِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ ﷺ إلَا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ كان رسول الله ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَبِهِ فُسِّرَ قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) وَفِي
الْمُوَطَّأِ عَنْهُ ﵇ (إِنَّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) وَنَحْوُهُ عَنْ أَنسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِثْلُهُ قَالَتْ زِيَادَةٌ زَادَهُ الله
_________________
(١) (قوله ابن منبه) بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة: ابن سيج بمهملة مفتوحة وقيل مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فجيم: تابعي جليل مشهور بمعرفة الكتب الماضية (قوله يَرَى مِنْ خَلْفِهِ) ذكر مختار بن محمود الحنفي شارح القدورى ومصنف القبية في رسالته الناصرية أنه ﵇ كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر منهما ولا تحجبهما الثياب وذكر النووي شرح مسلم في قَوْله ﵇ إنى والله لأبصر مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يدى، قال العلماء إن الله خلق له ﷺ إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكْثَر من هَذَا، وقال القاضى عياض قَالَ أَحْمَد بْنُ حنبل وجمهور العلماء إن هذه الرؤية رؤية عين حقيقة (*)
[ ١ / ٦٧ ]
إِيَّاهَا فِي حُجَّتِهِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِنِّي لأَنْظُرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَفِي أُخْرَى إِنِّي لأُبْصِرُ مِنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَحَكَى بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ.
وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ الْمَلَائِكَةَ وَالشَّيَاطِينَ، ورفع النجاشي له حتى صلى عليه وبيت المقدس حين وصفه لقريش والكعبة حين بنى مسجده.
وقد حكي عنه ﷺ أنه كان يرى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْمًا وَهَذِهِ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى رَدِّهَا إِلَى الْعِلْمِ، وَالظَّوَاهِرِ تُخَالِفُهُ وَلَا إِحَالَةَ فِي ذَلِكَ وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَنْبِيَاءِ وَخِصَالِهِمْ كَمَا أَخْبَرَنَا أبو محمد عبد الله ابن أَحْمَدَ الْعَدْلُ مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِي الْفَرْغَانِيُّ حَدَّثَتْنَا
أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ عن أبها حَدَّثَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ حدثنا محمد بن أحمد بن
_________________
(١) (قوله النجاشي) بفتح النون وكسرها وفى آخره ياء: الصواب تخفيفها، قال الطبري لقب لمن ملك الحبشة وكان اسم هذا الملك أصحمة كما في صحيح الْبُخَارِيّ (قوله أنه كان يرى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نجما) قال السهيلي في كتابه التعريف والأعلام: الثريا اثنا عشر كوكبا وكان ﷺ يراها كلها، جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس، وقال القرطبى في كتاب أسماء النبي وصفاته: إنها لا تزيد على تسعة فيما تذكرونه في كثير من النسخ. (*)
[ ١ / ٦٨ ]
مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ أبى هرير ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ (لَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ ﷿ لِمُوسَى ﵇ كَانَ يُبْصِرُ النَّمْلَةَ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ مَسِيرَةَ عَشْرَةِ فَرَاسِخَ) وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا ﷺ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَالْحُظْوَةِ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * وَقَدْ جَاءَتِ الأَخْبَارُ بِأنَّهُ صَرَعَ رُكَانَهَ أَشَدُّ أَهْلِ وَقْتِهِ وكَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَصَارَعَ أبَا رُكَانَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وكَانَ شَدِيدًا وَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَصْرَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقال أبو هريرة ﵁ مَا رَأيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ مِنْ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي مَشْيِهِ كَأنَّمَا الْأَرْضَ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَهُوَ غَيْرُ مكترث.
_________________
(١) (قوله حدثنا همام) كذا في كثير من النسخ وصوابه هانئ وهو هانئ بن يحيى السلمى أخذ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أبى جعفر الجعفري أحد الضعفاء قال الطبراني لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن أبي جعفر تفرد به هانئ بن يحيى (قوله عشرة فراسخ) في الصحاح الفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة أميال والميل منتهى مد البصر عن ابن السكيت انتهى، وقيل الميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام بوضع قدم أمام قدم ويلصق به والبريد أربعة فراسخ (قوله بِأنَّهُ صَرَعَ رُكَانَهَ) هو بضم الراء وتخفيف الكاف، أسلم يوم الفتح وتوفى بالمدينة سنة أربعين (قوله وَصَارَعَ أبَا رُكَانَةَ) قيل إنه صارعه ﵇ جماعة: ركانة وهو أمثلها وأبو ركانة كما ذكر القاضى هنا وأبو جهل ولا يصح وأبو الأسد الجمحى قاله السهيلي ويزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد على الشك رواه البيهقى وأبو داود في مراسيله (قوله غير مكترث) أي غير مبال. (*)
[ ١ / ٦٩ ]