بَعْضِهِمْ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ، فَضُرِبَ عَلَى أُذُنِي فَنِمْتُ فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ عَرَانِي مَرَّةً أُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ أَهُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسُوءٍ)
(فصل) وَأَمَّا وَقَارُهُ ﷺ وَصَمْتُهُ وتؤدته ومروؤته وَحُسْنُ هَدْيِهِ فحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ الْحَافِظُ إِجَازَةً وَعَارَضْتُ بِكِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّلائِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الوَرَّاقُ حدثنا اللؤلؤي حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز ابن وهب سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْقَرَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ لَا يَكَادُ يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَجْلِسِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ ﷺ مُحْتَبِيًا.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّهُ تَرَبَّعَ وَرُبَّمَا جَلَسَ القُرْفُصَاءَ وَهُوَ
_________________
(١) (قوله ثم عرانى) بفتح العين المهملة وتخفيف الراء، أي: غشيني (قوله لم أهم) . بضم الهاء (قوله هديه) أي سيرته (قوله الدلائى * بكسر الدال المهملة وتخفيف اللام الممدودة وبعدها همزة وياء مشددة (قوله عبد الرحمن) بن سلام بتشديد اللام وهو جد عبد الرحمن، نسب إليه والد عبد الرحمن اسمه محمد (قوله عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بْنِ وُهَيْبٍ الأنصاري، هو مولى زَيْد بن ثَابت (قوله خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ) ابن ثابت أحد الفقهاء السبعة، يروى عن أبيه وَأُسَامَةُ بن زَيْدٍ، وهذا الحديث في مراسيل أبى داود (قوله القرفصاء) بضم القاف والفاء، قال ابن قرقول: يمد ويقصر ويقال (*)
[ ١ / ١٣٧ ]
فِي حَدِيثِ قَيْلَةَ.
وَكَانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غير حاجة، تعرض عمن نكلم بِغَيْرِ جَمِيلٍ، وَكَانَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا وَكَلَامُهُ فَصْلًا لَا فَضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ، وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ التَّبَسُّمَ تَوْقِيرًا لَهُ وَاقْتِدَاءً بِهِ.
مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَخَيْرٍ وَأَمَانَةٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْواتُ وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرُمُ، إِذَا تَكَلَّمَ أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ.
وَفِي صِفَتِهِ: يَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ: وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا يُعْرَفُ فِي مِشْيَتِهِ أَنَّهُ غَيْرُ غَرِضٍ وَلَا وَكِلٍ أَيْ
_________________
(١) بكسر القاف والفاء، وقال الفراء إذا ضممت مددت وإذا كسرت قصرت وفي الصحاح وهو أن يجلس الرجل على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبى بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبى بالثوب تكون يداه مكان الثوب، عن أبى عبيد، وقال أبو المهدى هو أن يجلس على ركبتيه متكئا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه وهى جلسة الأعراب انتهى (قوله قلية) بفتح القاف وسكون المثناة التحية، هي بنت محرمة العدوية وقيل العنبرية وهو الصحيح (قوله وتؤبن) بمثناة فوقية مضمومة وهمزة ساكنة وموحدة مفتوحة مخففة، وفي الصحاح فلان يؤبن بكذا أي يذكر بقبيح، وفى ذكر مجلسه ﷺ لا تؤبن فيه الحرم أي لا يذكر بسوء انتهى (قوله كأنما على رؤوسهم الطير) قال الهروي يعنى ليس فيهم طيش ولا خفة، لأن الطير لا يكاد يقع إلى على ساكن (قوله يكفى) قال ابن الأثير: يتكفى تكفيا أي تمايل إلى قدام هكذا روى غير مهموز والأصل الهمز ويرويه بعضهم مهموزا لأن مصدر يفعل من الصحيح الفعل. كتقدم تقدما والهمز حرف صحيح، فأما إذا اعتل انكسرت عين المستقبل منه، نحو يحفى تحفيا فإذا خففت الهمزة التحق بالمعتل وصار تكفئا انتهى (قوله من صبب) أي منحدر (قوله غرض) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء بعدها ضاد معجمة من الغرض بفتحتين وهو الضجر والملالة (قوله ولا وكل) بفتح الواو والكاف، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره، ويتكل عليه. (*)
[ ١ / ١٣٨ ]
غَيْرُ ضَجِرٍ وَلَا كَسْلَانَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ تَرْتِيلٌ أَوْ تَرْسِيلٌ.
قَالَ ابْنُ أَبِي هَالَةَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ: عَلَى الْحِلْمِ وَالْحَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ أَحْصَاهُ، وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ وَالرَّائِحَةَ الْحَسَنَةَ وَيَسْتَعْمِلُهُمَا كَثِيرًا وَيَحُضُّ عَلَيْهِمَا وَيَقُولُ (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ مُرُوءَتِهِ ﷺ نَهْيُهُ عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْأَمْرُ بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِي، وَالْأَمْرُ بِالسِّوَاكِ وَإِنْقَاءُ البَرَاجِمِ وَالرَّوَاجِبِ وَاسْتِعْمَالُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ.