شيئا فلما كله فِي ذَلِكَ قَالَ لَهُ والله مَا هَمَمْتُ أنْ أَضْرِبَهُ إلَّا وَجَدْتُكَ بَيْنِي وَبَيْنهُ أَفَأَضْرِبُكَ؟ وَمِنْ عصْمَتِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ وَالْكَهَنَةِ أَنْذَرُوا بِهِ وَعَيَّنُوهُ لِقُرَيْشٍ وَأَخْبَرُوهُمْ بسوطته بِهِمْ وَحَضُّوهُمْ عَلَى قَتْلِهِ فَعَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى حَتَّى بَلَغَ فِيهِ أَمْرَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ نَصْرُهُ بِالرُّعْبِ أَمَامَهُ مَسِيرَةَ شهر كَمَا قَالَ ﷺ
فصل وَمِنْ مُعْجِزاتِهِ الْبَاهِرَةِ مَا جَمَعَهُ اللَّه لَهُ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ وَخَصَّهُ بِهِ مِنَ الاطّلاعِ عَلَى جَمِيعِ مَصَالِح الدُّنْيَا وَالدّينِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأُمُورِ شَرَائعهِ وَقَوانِينِ دِينِهِ وَسِيَاسَةِ عِبَادِهِ وَمَصَالِحِ أُمَّتِهِ وَمَا كَانَ فِي الْأُمَم قَبْلَهُ وَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْجَبَابرَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ من لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَنِهِ وَحِفْظِ شِرَائِعِهمْ وَكُتُبُهِمْ وَوَعْي سِيَرِهِمْ وَسَرْدِ أَنْبَائِهِمْ وَأَيَّامِ اللَّه فِيهِمْ وَصِفَاتِ أعْيَانِهِمْ وَاخْتِلَافِ آرَائِهِمْ وَالْمَعْرِفَةِ بِمُدَدِهِمْ وَأَعْمَارِهِمْ وَحِكَمِ حُكَمائِهِمْ وَمُحاجَّةِ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْكَفَرَةِ وَمُعَارَضَةِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الْكِتَابِيِّينَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَإِعْلامِهِمْ بأسرار وَمُخَبَّآتِ عُلُومِهَا وَإِخْبَارِهِمْ بِمَا كَتَمُوهُ من ذَلِكَ وَغَيَّرُوهُ إِلَى الاحْتِوَاءِ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِ وَغَرِيب أَلْفَاظِ فِرَقهَا وَالْإِحَاطَةِ بِضُرُوبِ فصاحتها والحقظ لأيَّامِهَا وَأَمْثَالِهَا وَحِكَمِهَا وَمَعَانِي أَشْعَارِهَا وَالتَّخْصِيص بِجَوَامِعِ كَلِمهَا إِلَى المَعْرِفَةِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ الصَّحِيحَةِ وَالحِكَمِ البَيّنَةِ
_________________
(١) (قوله بمددهم) بضم الميم: جمع مدة (*)
[ ١ / ٣٥٤ ]
لِتَقْرِيبِ التَّفْهِيمِ لِلْغَامِضِ وَالتَّبِيينِ لِلْمُشْكَلِ إلى تَمْهِيدِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ
الَّذِي لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَلَا تَخَاذُلَ مَعَ اشْتِمَالِ شَرِيعَتِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ محامد الآداب وكل شئ مُسْتَحْسَنٍ مُفَصَّلٍ لَمْ يُنْكِرْ مِنْهُ مُلْحِدٌ ذُو عَقْلٍ سَلِيمٍ شَيْئًا إلَّا من جهَةِ الْخُذْلانِ بَلْ كُلُّ جَاحِدٍ لَهُ وَكَافِرٍ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ إذَا سَمِعَ ما يدعو إلى صَوَّبَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ دُونَ طَلَب إِقَامَةِ بُرْهَانٍ عَلَيْهِ ثُمَّ مَا أَحَلَّ لَهُمْ مِنَ الطَّيّبَاتِ وَحَرّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَبَائِثِ وَصَانَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مِنَ الْمُعَاقَبَاتِ وَالْحُدُودِ عَاجِلًا وَالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ آجِلًا مِمَّا لَا يَعْلَمُ عِلْمَهُ وَلَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِبَعْضِهِ إلَّا من مارس الدرس والعكوف على الكتب ومثافنة بغض هَذَا إِلَى الاحْتِوَاءِ عَلَى ضُرَوبِ الْعِلْمِ وَفُنُونِ الْمَعَارِفِ كَالطّبّ وَالْعِبَارَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَالنَّسَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُوم مِمَّا اتَّخَذَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَعَارِفِ كَلَامَهُ ﷺ فِيهَا قُدْوَةً وَأُصُولًا فِي عِلْمِهِمْ كَقَوْلِهِ ﷺ (الرُّؤْيَا لَأَوَّلِ عَابِرٍ وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ) وَقَوْله (الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ رُؤْيَا حَقٍّ وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَرُؤْيَا تَحْزِينٍ مِنَ الشَّيْطَانِ) وَقَوْله (إذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تكد رؤيا
_________________
(١) (قوله والعبارة) بكسر العين هي تعبير الرؤيا (قوله وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طائر رجل بكسر الراء وسكون الجيم، قال الهروي أي علاى قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر وقال ابن الأثير هو من قولهم اقتسموا دارا فطار سهم فلان إلى ناحية كذا يعنى أن الرؤيا وهى التى يعبرها المعبر الأول فكأنها سقطت ووقعت حيث عبرت كما يسقط الذى يكون على رجل الطائر بأدنى حركة وقال ابن قتيبة أراد أنها غير مستقرة يقال للشئ إذا لم يستقر هو عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ وبين مخالب طائر وعلى قرن ظبى (قوله إذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ) قيل هو اقتراب الساعة وقيل تقارب الليل والنهار من الاعتدال (*)
[ ١ / ٣٥٥ ]
الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ) وَقَوْله (أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ) وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ من قَوْلِهِ (المَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا
وَارِدَةٌ) وَإِن كَانَ هَذَا حَدِيثًا لَا نصحهه لَضَعْفِهِ وَكَوْنِهِ مَوْضُوعًا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَوْلُهُ (خَيرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ وَاللَّدُودُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ وَخَيْرُ الْحِجَامَةِ يَوْمَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَفِي الْعُودِ الْهِنْدي سَبْعَةُ أَشْفيةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ) وَقَوْلُهُ (مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ وَقَوْلُهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ سَبَإ أَرَجُلٌ هُوَ أَم امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ؟ فَقَالَ (رَجُلٌ ولد عشرة نيا من منهم ستة وثشأم أَرْبَعَةٌ) الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَكَذَلِكَ جَوَابُهُ فِي نَسَبِ قُضَاعَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اضْطَرَّتِ الْعَرَبَ عَلَى شَغْلِهَا بِالنَّسَبِ إِلَى سُؤَالِهِ عَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ من ذَلِكَ، وَقَوْله
_________________
(١) (قوله البردة) بفتح الموحدة والراء وبالدال المهملة وهى التخمة وثقل الطعام على المعدة لأن ذلك يبرد المعدة (قوله السموط) بفتح السين المهملة ما يجعل في الأنف من الأدوية (قوله واللدود) بفتح اللام وبدالين مهملتين بينهما واو هو الدواء الذى يصب في أحد جانبى الفم، قاله الجوهرى (قوله والمشى) بفتح الميم وكسر الشين المعجمة بعدها ياء مشددة هو الدواء المسهل لأنه يحمل شاربه على المشى والتردد إلى الخلاء، قاله ابن الأثير (قوله وَفِي الْعُودِ الْهِنْدي) قيل هو القسط البحري وقيل العود الذى يتبخر به، قاله ابن الأثير (قوله حمير) بكسر المهملة وسكون الميم وفتح المثناة التحتية (*)
[ ١ / ٣٥٦ ]
(حِمْيرٌ رَأْسُ الْعَرَبِ وَنَابُهَا وَمِذْحِجُ هَامَتُهَا وَغَلْصَمَتُهَا وَالْأَزْدُ كَاهِلُهَا وَجُمْجُمَتُهَا وَهَمْدَانُ غَارِبُهَا وَذُرْوَتُهَا) وَقَوْله (إِنَّ الزَّمَانَ قَد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ) وَقَوْله (فِي الْحَوْضِ زَوَايَاهُ سَوَاءٌ) وَقَوْلُهُ فِي حَدِيث الذّكْرِ (وَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَتِلْكَ مِائَةٌ
وَخَمْسُونَ عَلَى اللسان وألف وخمسمائة في الميزان وقوله وَهُوَ بِمَوْضِع (نِعْمَ مَوْضِعُ الْحَمَّامِ هَذَا) وَقَوْلُهُ (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) وَقَوْلُهُ لِعُيَيْنَة أَو الأقرع أَنَا أَفْرَسُ بِالْخَيْلِ مِنْكَ) وَقَوْلُهُ لِكَاتِبِهِ (ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ فَإِنَّهُ أَذْكَرُ للممل) هَذَا مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَا يَكْتُبُ وَلَكِنَّهُ أُوتِيَ عِلْمَ كُلِّ شئ حَتَّى قَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ بِمَعْرفَتِهِ حُرُوفَ الْخَطِّ وَحُسْنَ تَصْوِيرِهَا كَقَوْلِهِ (لَا تَمُدُّوا باسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) رواه أن شعْبَانَ من طَرِيقِ ابن عَبَّاس، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثَ الْآخَرِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ أنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فقال له
_________________
(١) (قوله مذحج) بسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة، في الصحاح مذحج على وزن مسجد أبو قبيلة من اليمن وهو مذحج بن يحاص بن مَالِكِ بن زيد بن كهلان بن سبأ، قال سيبويه: الميم من نفس الكلمة، وفى القاموس كمجلس: أكمه، ولدت مالكا وطيبا أم هما عندها فسموا مذحجا (قوله وغلصمتها) الغلصمة بفتح الغين المعجمة وسكون اللام رأس الحلقوم وهو الموضع الثاني في الحلق (قوله كاهلها) الكاهل من الإنسان ما بين كتفيه (قوله وهمدان) بسكون الميم (قوله غاربها) الغارب ما بين السنام والعنق (قوله وذروتها) بضم الذال المعجمة وكسرها. أي أعلاه (*)
[ ١ / ٣٥٧ ]
(أَلقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفِ الْقَلَمَ وَأَقِمِ الْبَاءَ وَفَرِّقِ السِّينَ وَلَا تُعَوِّرِ الْمِيمَ وَحَسِّنِ اللَّهَ وَمُدَّ الرَّحْمَنَ وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ) وَهَذَا وَإِنَّ لَمْ تَصِحَّ الرَّوَايَةُ أنَّهُ ﷺ كَتَبَ فَلَا يَبْعُدُ أنْ يُرْزَقَ عِلْمَ هَذَا وَيُمْنَعَ الْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةَ * وَأَمَّا عِلْمُهُ ﷺ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ وَحِفْظُهُ مَعَانِي أَشْعَارِهَا فَأمْرٌ مَشْهُورٌ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ حِفظُهُ لِكَثِيرٍ من لُغَاتِ الْأُمَم كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ (سَنَةْ سَنَةْ) وَهِيَ حَسَنَةٌ
بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقَوْلُهُ (وَيَكْثُرُ الهَرْجُ) وَهُوَ الْقَتْلُ بِهَا، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ (أَشْكَنْبَ دَرْدَ) أي وَجَعُ الْبَطْنِ بِالْفَارِسيَّةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُ بَعْضَ هَذَا وَلَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِبَعْضِهِ إلَّا من مارس الدرس والعكوف على الكتاب وَمُثَافَنَةِ أَهْلِهَا عُمْرَهُ وَهُوَ رَجُل كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى أُمّيّ لَمْ يَكَتُبْ وَلَمْ يَقْرَأْ وَلَا عُرِفَ بِصُحْبَةِ من هَذِهِ صِفَتُهُ وَلَا نَشَأ بَيْنَ قَوْم لَهُمْ عِلْمٌ وَلَا قِرَاءَةٌ لشئ من هَذِهِ الأُمُورِ وَلَا عُرِفَ هُوَ قَبْلُ بشئ مِنْهَا قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)
_________________
(١) (قوله ألق الذوة) بفتح الهمزة وكسر اللام، أي: أصلح مدادها (قوله وَلَا تُعَوِّرِ الْمِيمَ) بضم المثناة الفوقية، وفتح العين المهملة وتشديد الواو المكسورة (قوله سنه سنه) قال ابن الأثير: وفى رواية سنا سنا بتخفيف نونهما وتشديدهما، وفى أخرى سناه سناه بالتشديد والتخفيف فيهما (قوله الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم (قوله أشكنب درد) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الكاف بعدها نون ساكنة فموحدة كذلك فدالين مهملتين أولهما مفتوحة وبينهما راء وأشكنب معناه بالفارسية: البطن، ودرد: الوجع (قوله مثافنة بمثلثة وفاء ونون تقدم تفسيره (*)
[ ١ / ٣٥٨ ]
الآيَةَ: إنَّمَا كَانَتْ غاية معارف العر بالنسب وَأَخْبَارَ أوَائِلِهَا وَالشّعْرَ وَالْبَيَانَ وَإنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ لَهُمْ بَعْدَ التفرق لِعِلْمِ ذَلِكَ وَالاشْتِغَالِ بِطَلَبَهِ وَمُبَاحَثَهِ أهْلِهِ عَنْهُ، وَهَذَا الفَنُّ نُقْطَةٌ من بَحْرِ عِلْمِهِ ﷺ وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَحْدِ الملحد لشئ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَلَا وَجَدَ الْكَفَرَةُ حِيلَةً فِي دَفْع مَا نَصَصْنَاهُ إلَّا قَوْلَهُمْ (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (وإنما يعلمه بشر) فَرَدَّ اللَّه قَوْلَهُمْ بِقَوْلِهِ (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مبين) ثُمَّ مَا قَالُوهُ مَكابَرَةُ الْعِيَانِ فَإِنَّ الَّذِي نَسَبُوا تَعْلِيمَهُ إليْهِ إِمَّا سَلْمَانُ
أَو الْعَبْدُ الْرُّومِيُّ وسلمان إما عَرَفَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَنُزُولِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ وَظُهُورِ مَا لا يَنْعَدُّ مِنَ الآيَاتِ، وَأَمَّا الرُّومِيُّ فَكَانَ أسْلَمَ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَقِيلَ بَلْ كَانَ النَّبِيّ ﷺ يَجْلِسُ عِنْدَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَكِلاهُمَا أَعْجَمِيُّ اللَّسَانِ وَهُمُ الْفُصَحاءُ اللُّدُّ وَالْخُطَبَاءُ اللُّسْنُ قَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ مَا أتَى بِهِ وَالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ بَلْ عَنْ فَهْمِ وَصْفِهِ وَصُورَةِ تَألِيفِهِ وَنظمِهِ فَكَيْفَ بِأَعْجَمِيّ أَلْكَنَ؟ نَعَمْ وَقَدْ كَانَ سَلْمَانُ أَوْ بَلْعَامُ الرُّومِيُّ أَوْ يَعِيشُ أو جبر ويسار عَلَى اخْتِلافِهِمْ فِي اسْمِهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يُكَلِّمُونَهُمْ مَدَى أَعْمَارِهِمْ فَهَلْ حُكِيَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شئ من مِثْلِ مَا كان يجئ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؟ وَهَلْ عرف
_________________
(١) (قوله اللد) جمع ألد وهو الشديد الخصومة (قوله اللسن) بضم اللام وإسكان السين المهملة جمع لسن بفتح اللام وكسر المهملة (قوله ألكن) الكنة العجمة في اللسان والعى في الكلام (*)
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمَعْرِفَةِ شئ من ذَلِكَ وَمَا مَنَعَ الْعَدُوَّ حِينَئذٍ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِ دؤوب طلبه وقوة حسده أنْ يَجْلِس إِلَى هذا فَيَأْخُذَ عَنْهُ أيْضًا مَا يُعَارِضُ به وَيَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى شِيعَتِهِ كَفِعْل النَّضْرِ بن الْحَارِثِ بِمَا كَانَ يُمَخْرِقُ بِهِ من أَخْبَارِ كُتُبِهِ وَلَا غَابَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ قَوْمِهِ وَلَا كَثُرَتِ اخْتِلافَاتُهُ إِلَى بلادِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُقَالُ إنَّهُ اسْتَمَدَّ مِنْهُمْ بَلْ لَمْ يَزَلْ بين أظهرهم يرعى في صغره وشبابه على عادة أنبيائهم ثم لم يخرج عن بلادهم إلا فِي سَفْرَةٍ أَوْ سَفْرَتَيْنِ لَمْ يَطُلْ فِيهِمَا مُكْثُهُ مُدَّةً يَحْتَمِلُ فِيهَا تَعْلَيمُ الْقَليل فَكَيْفَ الْكَثِيرُ؟ بَلْ كَانَ فِي سَفَرِهِ فِي صُحْبَةِ قَوْمِهِ وَرِفَاقِهِ وَعَشِيرَتِهِ لَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ وَلَا خَالَفَ حَالُهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ
من تَعْلِيمٍ وَاخْتِلَافٍ إِلَى حَبْرٍ أَوْ قَسٍّ أَوْ كَاهِنٍ بَلَ لَوْ كَانَ هَذَا بَعْدُ كُلُّهُ لَكَانَ مجئ مَا أَتَى بِهِ فِي مُعْجِز الْقُرْآنِ قَاطِعًا لِكُلّ عُذْرٍ وَمُدْحِضًا لِكُلّ حُجَّةٍ وَمُجَلِّيًا لِكُلّ أَمْرٍ