٢٤٠- حدثنا الحسن بن صباح البزار «١» . حدثنا أبو النضر «٢» حدثنا أبو عقيل الثقفي عبد الله بن عقيل «٣» عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت:
«حدث رسول الله ﷺ ذات ليلة «٤» نساءه حديثا فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة فقال أتدرون ما خرافة، إن خرافة كان رجلا من عذرة «٥» أسرته الجنّ في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا ثم ردوه إلى الانس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب «٦» فقال الناس: حديث خرافة» .
_________________
(١) الحسن بن صباح البزار: البغدادي، أحد الاعلام، وثقه أحمد وقال أبو حاتم: صدوق، توفي ببغداد سنة ٢٤٩ هـ. خرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
(٢) أبو النضر: سالم بن أبي أمية أو هاشم بن القاسم المدني نزيل بغداد ثقة يرسل، توفي سنة ١٢٥ هـ. خرّج له الستة.
(٣) عبد الله بن عقيل: الكوفي نزيل بغداد صدوق من الطبقة الثامنة. خرج له الأربعة.
(٤) يؤخذ من الحديث جواز التحدث بعد العشاء ولا سيما مع العيال والنساء من باب حسن المعاشرة معهن وتفريج الهم عن قلوبهن.
(٥) إحدى القبائل اليمنية المشهورة.
(٦) بين ﵊ أن حديث خرافة ليس بكذب بل كان صادقا فيما قاله، ولكنه لغرابته تعجب الناس منه. وان اختطاف الجن للانس قبل الهجرة كان كثيرا إذا ذاك.
[ ١٥٠ ]
حديث أمّ زرع
٢٤١- حدثنا علي بن حجر. أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت:
«جلست إحدى عشرة أمرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا:
(فقالت الأولى) زوجي لحم جمل غث «١» على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل «٢» .
(قالت الثانية) زوجي لا أثير خبره «٣»، إني أخاف أن لا أذره «٤»، أن أذكره أذكر عجره وبجره «٥» .
_________________
(١) أي كلحم الجمل في الرداءة لا كلحم الضأن، والمقصود منه المبالغة في قلة نفعه والرغبة عنه ونفاد الطبع منه.
(٢) والمقصود منه في المبالغة في تكبره وسوء خلقه فلا يوصل إليه إلا بغاية المشقة ولا ينفع زوجته في عشرة ولا غيرها مع كونه مكروها رديئا. ومعنى لا ينتقل أي لا ينقله الناس إلى بيوتهم ليأكلوه بعد مقاساة التعب ومشقة الوصول، بل يرغبون عنه لرداءته. وبالجملة فقد وصفته بالبخل والرداءة والكبر على أهله وسوء الخلق.
(٣) أي لا أظهره وأنثره.
(٤) أي هي تخاف من ذكره أن يطلقها.
(٥) بضم الأول وفتح الثاني أي عيوبه، كلها ظاهرها وباطنها، والعجر جمع عجرة وهي نفخة في عروق العنق. والبجر، جمع بجرة السرة. تريد: لا أخوض في ذكر خبره فاني أخاف من ذكره الشقاق والفراق وضياع الاطفال والعيال.
[ ١٥١ ]
(قالت الثالثة) زوجي العشنّق «١»، إن أنطق أطلق «٢» وإن أسكت أعلق «٣» .
(قالت الرابعة) زوجي كليل تهامة «٤» لا حرّ ولا قرّ «٥» ولا مخافة ولا سآمة.
(قالت الخامسة) زوجي إن دخل فهد «٦»، وإن خرج أسد «٧»، ولا يسأل عما عهد «٨» .
(قالت السادسة) زوجي إن أكل لف «٩»، وإن شرب اشتفّ «١٠» وإن اضطجع التفّ «١١»، ولا يولج الكفّ ليعلم البث «١٢» .
(قالت السابعة) زوجي عياياء «١٣» أو غياياء «١٤» طباقاء «١٥» كلّ داء له داء «١٦» شجّك أو فلك أو جمع كلّا لك «١٧» .
_________________
(١) بفتح العين والشين ونون مفتوحة مشددة وهو الطويل المستكره في طوله النحيف السيء الخلق.
(٢) أي أنطق بعيوبه تفصيلا يطلقني لسوء خلقه ولا أحب الطلاق لأولادي منه أو لحاجتي اليه.
(٣) أي وإن سكت عن عيوبه يصيرني معلقة وهي المرأة التي لا هي مزوجة بزوج ينفع ولا هي مطلقة تتوقع أن تتزوج.
(٤) في كمال الاعتدال وعدم الأذى وسهولة أمره وتهامة: مكة وما حولها.
(٥) كناية عن عدم الاذى لكرم أخلاقه وثبوت جميع أنواع اللذة في عشرته.
(٦) أي إن دخل عليها يثب كوثوب الفهد لجماعها. فهد الرجل: كثر نومه كالفهد.
(٧) وان خرج من عندها أو خالط الناس فعل فعل الاسد.
(٨) أي لا يسأل عما علم في بيته من مطعم ومشرب وغيرهما تكرما. فوصفته بأنه كريم الطبع حسن العشرة لين الجانب في بيته قوي شجاع في أعدائه لا يتفقد ما ذهب من ماله ومتاعه ولا يسأل عنه لشرف نفسه وسخاء قلبه.
(٩) أي كثر وخلط صنوف الطعام.
(١٠) أي شرب الشفافة وهي بقية الماء في قعره أي لا يدع في الاناء شيئا منه.
(١١) أي إن اضطجع على جنبه التف في ثيابه وتغطى بلحاف منفردا في ناحية وحده ولا يباشرها فلا نفع فيه لزوجته.
(١٢) أي ولا يدخل يده تحت ثيابها ليعلم بثها وحزنها، فلا شفقة عنده عليها.
(١٣) أي عاجز عن القيام بمصالحه من العي، وقيل هو العنين.
(١٤) أي ذو غي وهو الضلالة أو الخيبة.
(١٥) أي أحمق، أطبقت عليه أموره أو العاجز عن الجماع أو الكلام.
(١٦) أي اجتمعت فيه كل عيوب الناس.
(١٧) أي إما يشج رأس نسائه أو يكسر عضوا من أعضائهن أو يجمع لهن بين الأمرين.
[ ١٥٢ ]
(قالت الثامنة) زوجي المسّ مسّ أرنب «١» والريح ريح زرنب «٢» .
(قالت التاسعة) زوجي رفيع العماد طويل النجاد عظيم الرماد. قريب البيت من الناد «٣»
(قالت العاشرة) زوجي مالك «٤» . وما مالك؟ مالك خير من ذلك «٥» له إبل كثيرات المبارك «٦»، قليلات المسارح «٧» إذا سمعن صوت المزهر أيقنّ أنهن هوالك «٨» .
(قالت الحادية عشرة) زوجي أبو زرع «٩»، وما أبو زرع؟ أناس «١٠» من حليّ أذني «١١»، وملأ من شحم عضدي «١٢» وبجحني فبجحت «١٣» إليّ نفسي وجدني في
_________________
(١) أي مس زوجي كمس الأرنب في اللين والنعومة.
(٢) الزرنب: بفتح الزاي نوع من النبات طيب الرائحة والمعنى أنها تصفه بحسن الخلق وكرم المعاشرة ولين الجانب كلين مس الأرنب وشبهت ريح بدنه أو ثوبه بريح الطيب ويجوز أن يراد به طيب الثناء عليه وانتشاره بين الناس.
(٣) العماد في الاصل عمد تقوم عليها البيوت كنّت بذلك عن علو حسبه وشرف نسبه. والنجاد: بكسر النون: حمائل السيف كنت به عن طول القامة، إشارة إلى أنه صاحب سيف فأشارت إلى شجاعته والرماد: كناية عن كثرة الجود المستلزم لكثرة الضيافة المستلزمة لكثرة الرماد ودوام وقود ناره. والناد: أصله النادي حذفت الياء للسجع والنادي الموضع الذي يجتمع فيه وجوه القوم للتشاور والتحدث وهذا شأن الكرام يجعلون بيوتهم قريبا من النادي تعرضا لمن يضيفهم.
(٤) أي اسمه مالك.
(٥) أي خير مما سأقوله في حقه ففيه إيماء إلى أنه فوق ما يوصف من الجود والسماحة.
(٦) جمع مبروك، مكان بروك الابل.
(٧) أي إبله كثيرة إذا بركت فإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما نحر منها في مباركها للاضياف أو يتركها بجانب البيت حتى إذا نزل به الضيفان كانت حاضرة.
(٨) أي إذا سمعت الابل صوت العود الذي يضرب أيقن أنهن منحورات للاضياف من كرمه وجوده.
(٩) كنته بذلك لكثرة زرعه، ويحتمل أنها كنته بذلك تفاؤلا بكثرة أولاده ويكون الزرع بمعنى الولد.
(١٠) أناس: بزنة أقام، من النوس وهو تحرك الشيء متدليا.
(١١) المراد أنه حرك أذنيها من أجل ما حلاهما به.
(١٢) أي جعلني سمينة.
(١٣) المعنى فرحني ففرحت نفسي.
[ ١٥٣ ]
أهل غنيمة بشق «١» فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودانس ومنقّ «٢» فعنده أقول فلا أقبح «٣»، وأرقد فأتصبّح «٤»، وأشرب فاتقمح «٥»، أمّ أبي زرع فما أمّ أبي زرع «٦»: عكومها رداح «٧»، وبيتها فساح «٨» ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع «٩»:
مضجعه كمسل- شطبة «١٠» وتشبعه ذراع الجفرة «١١»، بنت أبي زرع: فما بنت
_________________
(١) غنيمة: بالتصغير للتقليل أي أهل غنم قليلة، و«بشق» بالفتح والكسر ويحتمل أنه اسم موضع أو بمعنى المشقة ومنه قوله تعالى إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ من سورة النحل (٧) . والمعنى، وجدني في أهل غنم قليلة فهم في جهد وضيق عيش.
(٢) أي فحملني إلى أهل خيل ذات صهيل وابل ذات أطيط فالصهيل صوت الخيل والأطيط: صوت الإبل وبقر تدوس الزرع في بيدره ليخرج الحب من السنبل. ومنق: بضم الميم وفتح النون وتشديد القاف وهو الذي ينقي الحب وينظفه من التبن وغيره بعد الدرس بغربال فهم أصحاب زرع وأرباب حب نظيف. والمراد من ذلك كله: أنها كانت في أهل قلة ومشقة فنقلها إلى أهل ثروة وكثرة لكونهم أصحاب خيل وإبل وغيرهما.
(٣) أي فأتكلم عنده بأي كلام فلا ينسبني الى القبح لكرامتي عليه ولحسن كلامي لديه.
(٤) أي أنام فأدخل في الصبح فيرفق بي ولا يوقظني لخدمته ومهنته لأني محبوبة إليه مع استغنائه عني بالخدم التي تخدمه وتخدمني.
(٥) أي فأروى وأودع الماء لكثرته عنده مع قلّته عند غيره، والمعنى: أنها لم تتألم منه لا من جهة المرقد ولا من جهة المشرب.
(٦) أرادت أن تمدح أم زوجها بعد مدح زوجها.
(٧) أي أعدالها وأوعية طعامها عظيمة ثقيلة كثيرة، فالعكوم جمع عكم وهو العدل إذا كان فيه متاع، والرداح: بفتح الراء، العظيمة الثقيلة الكثيرة.
(٨) بفتح الفاء أي واسع وسعة البيت دليل سعة الثروة.
(٩) انتقلت الى مدح ابن أبي زرع.
(١٠) أي مرقده كمسل: بفتح أوله وثانيه بمعنى مسلول، شطبة: بفتح الشين وسكون الطاء وهي ما شطب أي شق من جريد النخل وهو السعف. والمعنى أن محل اضطجاعه وهو الجنب كشطبة مسلولة من الجريد في الدقة فهو خفيف اللحم دقيق الحصر كالشطبة المسلولة من قشرها.
(١١) تشبعه: بضم التاء من تشبعه لأنه من الاشباع، والجفرة بفتح الجيم وسكون الفاء ولد الشاة إذا عظم واستكرش، والمراد أنه ضاوي مهفف قليل اللحم على نحو واحد على الدوام وذلك شأن الكرام.
[ ١٥٤ ]
أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها «١»، وملء كسائها «٢» وغيظ جارتها «٣»، جارية أبي زرع فما جارية «٤» أبي زرع: لا تبثّ حديثنا تبثيثا «٥» ولا تنقث ميرتنا تنقيثا «٦»، ولا تملأ بيتنا تعشيشا «٧» . قالت خرج أبو زرع «٨» والأوطاب تمخض «٩» فلقي امرأة معها ولدان لها. كالفهدين «١٠» يلعبان من تحت خصرها برمانتين «١١» فطلقني ونكحها فنكحت بعده رجلا سريّا «١٢» ركب شريا «١٣» وأخذ خطيا «١٤» وأراح علي نعما ثريا «١٥» وأعطاني من كل رائحة زوجا «١٦»، وقال: كلي أم زرع، وميري أهلك «١٧» فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
_________________
(١) أي هي مطيعة لأبيها ومطيعة لأمها غاية الاطاعة.
(٢) أي مالئة لكسائها لضخامتها وسمنها وهذا ممدوح في النساء.
(٣) والمراد منها ضرتها، فتغيظ ضرتها لغيرتها منها بسبب مزيد جمالها وحسنها.
(٤) أي خادمته.
(٥) والمعنى لا تنشر كلامنا الذي نتكلم به فيما بيننا نشرا لديانتها.
(٦) أي لا تنقل طعامنا نقلا لأمانتها وصيانتها، (وتنقث) بفتح التاء وضم القاف، والنون ساكنة. والمعنى: لا تنقل، والميرة: بكسر الميم الطعام.
(٧) أي لا تجعل بيتنا مملوءا من القمامة والكناسة حتى يصير كأنه عش الطائر، بل تصلحه وتنظفه لشطارتها.
(٨) خرج لسفر في يوم من الأيام.
(٩) أي والحال أن الاوطاب جمع وطب: أي أسقيه اللبن، وتمخض بالبناء للمجهول أي تحرك لاستخراج الزبد من اللبن. والمراد أنه خرج في حال كثرة اللبن وذلك حال خروج العرب للتجارة.
(١٠) أي مثلهما في الوثوب واللعب وسرعة الحركة.
(١١) أي ذات ثديين صغيرين كالرمانتين فيلعب ولداها بثدييها الشبيهين بالرمانتين. أو أنها ذات كفل عظيم إذا استقلت يصير تحتها فجوة يجري فيها الرمان، لعب ولداها برمي الرمان في تلك الفجوة. وهذا أنسب لأنها قالت من تحت خصرها.
(١٢) سريا: أي من سراة الناس واشرافهم.
(١٣) أي فرسا يتشرى في مشيه أي يلج فيه بلا فتور.
(١٤) وهو الرمح المنسوب إلى الخط قرية بساحل بحر عمان تعمل فيها الرماح.
(١٥) أي جعلها داخلة علي في وقت الرواح وهو ما بعد الزوال أو أدخلها علي في المراح. والنعم: الابل والغنم والبقر، وثريا: من الثروة وهي كثرة المال.
(١٦) أعطاها من كل بهيمة ذاهبة إلى بيته في وقت الرواح زوجين اثنين اثنين.
(١٧) قال الزوج الذي تزوجها بعد أبي زرع كلي ما تشائين وأعطي أقاربك.
[ ١٥٥ ]
قالت عائشة ﵂ فقال لي رسول الله ﷺ كنت لك كأبي زرع لأم زرع «١»» «٢» .
_________________
(١) أي في الألفة والعطاء. لا في الفرقة والخلاء.
(٢) أخرجه البخاري في النكاح باب حسن المعاشرة مع الأهل وحل السمر في خير. ومسلم في الفضائل باب ذكر حديث أم زرع ك ٤٤ ب ١٤ ح ٢٤٤٨ والنسائي في عشرة النساء وفيه زيادة (إلا أنها طلقها وأنا لا أطلق فقالت عائشة: يا رسول الله بل أنت خير من أبي زرع) انظر القسطلاني على البخاري ٨/ ١٠٢.
[ ١٥٦ ]