٣٤٩- حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا حمّاد بن زيد «١» عن أيوب «٢» عن محمد ابن سيرين «٣» قال:
«كنّا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشّقان «٤» من كتّان، فتمخّط في أحدهما فقال: بخ بخ «٥»، يتمخّط أبو هريرة في الكتّان. لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة ﵂ مغشيا عليّ «٦»، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، يرى أن بي جنونا، وما بي جنون وما هو إلّا الجوع» «٧» .
_________________
(١) حماد بن زيد: أبو إسماعيل البصري الأزرق، عالم أهل البصرة. توفي سنة ١٩٩ هـ.
(٢) أيوب: بن كيسان، أحد المشاهير الكبار. ثقة ثبت حجة. توفي سنة ١٣١ هـ خرج له الجماعة.
(٣) محمد بن سيرين: البصري مولى أنس بن مالك كان ثقة مأمونا فقيها إماما ورعا أدرك ثلاثين صحابيا توفي سنة ١١٠ هـ.
(٤) أي مصبوغان بالمشق وهو الطين الاحمر وقيل المغرة.
(٥) (بخ بخ) بسكون الخاء فيهما، وبكسرها أيضا كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء. ونقول بخ بخ، وبخ بخ، وقد تستعمل للانكار كما هنا.
(٦) كان أبو هريرة عريف أهل الصفة من أصحاب رسول الله ﷺ الفقراء، ويحمل وضع أبي هريرة من الجوع على الفترة التي لم يكن لدى النبي ﷺ فيها طعام يواسيهم. وإنما ذكر الترمذي هذا الحديث هنا ليدل على ضيق عيشه ﷺ لأنه لو كان لديه ما ترك أصحابه هكذا. / والله أعلم/.
(٧) وأخرجه البخاري والترمذي في كتاب الزهد حديث رقم ٢٣٦٨.
[ ٢٠٧ ]
٣٥٠- حدثنا قتيبة. حدثنا جعفر بن سليمان الضّبعيّ «١» عن مالك بن دينار «٢» قال:
«ما شبع رسول الله ﷺ من خبز قطّ ولا لحم إلّا على ضفف» «٣» .
قال مالك سألت رجلا من أهل البادية ما الضفف؟ قال: أن يتناول مع الناس «٤» .
٣٥١- حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول:
«ألستم في طعام وشراب ما شئتم. لقد رأيتم نبيّكم (ﷺ) وما يجد من الدّقل «٥» ما يملأ بطنه» «٦» .
٣٥٢- حدثنا هارون بن إسحاق. حدثنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:
«إن كنّا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار إن هو إلّا التمر والماء» «٧» .
_________________
(١) جعفر بن سليمان الضبعي: كان من العلماء الزهاد على تشيعه بل رفضه وثقه ابن معين وضعفه ابن القطان وقال أحمد: لا بأس به.
(٢) مالك بن دينار: الشامي، وثقه النسائي وابن حبان، روى عن أنس توفي سنة ١٣٠ هـ خرج له الأربعة والبخاري في التاريخ.
(٣) الضفف بفتح الضاد والفاء أي ما شبع في زمن من الازمان الا اذا نزل به الضيوف فيشبع حينئذ لضرورة الايناس والمجابرة.
(٤) أي مع الناس الذين ينزلون به من الضيفان.
(٥) الدقل: بفتح القاف: ردىء التمر وفي رواية مسلم برقم ٢٩٧٨ «يظل اليوم يلتوي وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» .
(٦) أخرجه مسلم في الزهد برقم ١٩٧٧ والترمذي في الزهد برقم ٢٣٧٣.
(٧) أخرجه مسلم في الزهد برقم ٢٩٧٢ وزاد «إلا أنه كان لرسول الله جيران من الانصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من البانها فيسقيناه» . والمنائح تطلق على الشاة الحلوب يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إلى صاحبها.
[ ٢٠٨ ]
٣٥٣- حدثنا عبد الله بن أبي زياد «١» . حدثنا سيار «٢» . حدثنا سهل بن أسلم «٣» عن يزيد «٤» بن أبي منصور عن أنس عن أبي طلحة قال:
«شكونا إلى رسول الله (ﷺ) الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر «٥» فرفع رسول الله (ﷺ) عن بطنه عن حجرين» «٦» .
قال أبو عيسى هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، ومعنى قوله ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، قال كان أحدهم يشد في بطنه الحجر من الجهد والضعف الذي به من الجوع.
٣٥٤- حدثنا محمد بن إسماعيل «٧» . حدثنا آدم بن أبي سلمة بن أبي إياس «٨» . حدثنا شيبان (أبو معاوية) . حدثنا عبد الملك بن عمير عن ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال:
«خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد «٩»، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال ما جاء بك يا عمر؟
قال الجوع يا رسول لله. قال ﷺ وأنا قد وجدت بعض ذلك. فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيّهان «١٠» الأنصاريّ «وكان رجلا كثير النخيل والشاء ولم
_________________
(١) عبد الله بن أبي زياد: صدوق من الطبقة العاشرة.
(٢) سيار: بن نصر أبو المنهال، ثقة من الطبقة الرابعة خرج له الجماعة.
(٣) سهل بن أسلم: أبو سعيد البصري صدوق من الطبقة الثامنة.
(٤) يزيد بن أبي منصور: البصري، لا بأس به خرج له مسلم.
(٥) شكوا لرسول الله ﷺ شدة الجوع وكشفوا ثيابهم عن بطونهم عن حجر حجر يعني لكل واحد منا حجر واحد رفع عنه وشد الحجر لاقامة الصلب ودفع النفخ.
(٦) أخرجه الترمذي في الزهد برقم ٢٣٧٢.
(٧) محمد بن اسماعيل هو الامام البخاري صاحب صحيح البخاري.
(٨) آدم بن أبي إياس خرساني الأصل نشأ ببغداد عابد من الطبقة التاسعة.
(٩) لعل هذا الوقت هو وقت الظهيرة.
(١٠) اسمه مالك بن التيهان الانصاري.
[ ٢٠٩ ]
يكن له خدم فلم يجدوه فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت «١»: انطلق يستعذب لنا الماء فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها «٢» فوضعها، ثم جاء يلتزم «٣» النبي (ﷺ) ويفديه بأبيه وأمّه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو «٤» فوضعه، فقال النبي (ﷺ):
أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟ فقال يا رسول الله إني أردت أن تختاروا أو تخيروا من رطبه وبسره «٥»، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء. فقال (ﷺ) هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألونا عنه يوم القيامة! ظل بارد، ورطب طيّب، وماء بارد. فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما فقال النبي (ﷺ): لا تذبحنّا لنا ذات درّ، فذبح لهم عناقا أو جديا، فأتاهم بها، فأكلوا، فقال (ﷺ):
هل لك خادم؟ قال لا. قال: فإذا أتانا سبي فأتنا؛ فأتى (ﷺ) برأسين معهما ثالث. فأتاه أبو الهيثم فقال النبي (ﷺ): اختر منهما. فقال يا رسول الله اختر لي، فقال النبي (ﷺ): إن المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإنّي رأيته يصلي، واستوص به معروفا، فانطلق أبو الهيثم الى امرأته فأخبرها بقول رسول الله (ﷺ) فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النبي (ﷺ) إلّا بأن تعتقه، قال فهو عتيق، فقال (ﷺ): إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر «٦»، وبطانة لا تألوه خبالا «٧»، ومن يوق بطانة السوء فقد وقي «٨»» «٩» .
_________________
(١) في رواية مسلم فقالت زوجته (مرحبا وأهلا) .
(٢) يزعبها: زعب القربة إذا ملأها وقيل حملها ممتلئة.
(٣) أي يعانق النبي ﷺ.
(٤) القنو: عنقود البلح
(٥) البسرة: ثمر النخل قبل أن يرطب والبسرة واحدة البسرة.
(٦) البطانة: خاصة الرجل الذي يبطنون أمره، ويخصهم بمزيد التقريب، ويسمى به الواحد والجمع.
(٧) أي لا تقصر في إفساده والخبال الفساد، والألو التقصير.
(٨) وقي أي حفظه.
(٩) وأخرجه الترمذي في الزهد برقم ٢٣٧٠ وأصحاب السنن.
[ ٢١٠ ]
٣٥٥- حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد، حدثني أبي عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم قال:
«سمعت سعد بن أبي وقاص «١» يقول: إنّي لأول رجل اهراق «٢» دما في سبيل الله ﷿، وإنّي لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله، لقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد ﵊ ما نأكل إلّا ورق الشجر والحبلة «٣»، حتى تقرّحت أشداقنا، وأن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير «٤»، وأصبحت بنو أسد يعزرونني «٥» في الدين. لقد خبت وخسرت إذا وضلّ عملي» «٦» .
٣٥٦- حدثنا محمد بن بشّار. حدثنا صفوان بن عيسى «٧» . حدثنا محمد بن عمرو بن عيسى أبو نعامة العدوي «٨» قال:
«سمعت خالد بن عمير وشويسا أبا الرّقاد قالا: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان، وقال انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى بلاد
_________________
(١) اسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى كان مستجاب الدعوة مات سنة ٥٨ هـ وكانت له مواقف مشهورة منها قيادة وقعة القادسية.
(٢) أي أراق بفتح الهاء وسكونها، وكان هذا الدم من شجه لمشرك، روى ابن اسحاق ان الصحابة كانوا في أول الاسلام يستخفون في صلاتهم فبينما سعد في نفر يصلي في شعب إذ طلع عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فعابوا عليهم واشتد الشقاق بينهم حتى تقاتلوا، فضرب سعد رجلا منهم بلحي بعير فشجه فكان أول دم في الاسلام.
(٣) الحبلة: بضم الحاء وسكون الباء، وبضمهما وهو ورق يشبه اللوبيا وقيل شجر له شوك.
(٤) أي البعر اليابس من قلة الطعام المألوف.
(٥) يعزرونني أي يعيبون علي أني لا أحسن الصلاة من التعزير بمعنى اللوم والتوبيخ.
(٦) أخرجه الترمذي في الزهد برقم ٢٣٦٦ والبخاري في فضل سعد وفي الاطعمة وفي الرقاق ومسلم في الزهد برقم ٢٩٦٦ وابن ماجه في المقدمة.
(٧) صفوان بن عيسى: الزهري البصري، وثقه الذهبي توفي سنة ٢٠٠ هـ خرج له الجماعة.
(٨) محمد بن عمرو بن عيسى: وثقة الذهبي، من الطبقة السابعة خرج له مسلم وأبو داود.
[ ٢١١ ]
العرب وأدنى بلاد العجم فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمربد «١» وجدوا هذا الكذّان «٢» فقالوا ما هذه؟! قالوا هذه البصرة فساروا حتى بلغوا جبال الجسر الصغير فقالوا ههنا أمرتم «٣» . فنزلوا فذكروا الحديث بطوله «٤»، قال: فقال عتبة بن غزوان: لقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ، مالنا طعام إلّا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا، فالتقطت بردة قسمتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة أحد إلّا وهو أمير مصر من الأمصار وستجرّبون الأمراء بعدنا» «٥» .
٣٥٧- حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن. حدثنا روح بن أسلم «٦» أبو حاتم البصري. حدثنا حمّاد بن سلمة. حدثنا ثابت عن أنس قال:
«قال رسول الله ﷺ: لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ومالي ولبلال، طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» «٧» .
٣٥٨- حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن. حدثنا عفّان بن مسلم. حدثنا أبان بن يزيد العطار. حدثنا قتادة عن أنس بن مالك:
«أنّ النّبيّ (ﷺ) لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف» .
_________________
(١) المربد موضع بالبصرة وهو في الاصل موضع يحبس فيه الإبل والغنم أو يجمع فيه الرطب حتى يجف ثم أصبح سوقا في الاسلام.
(٢) الكذان: حجارة رخوة بيض. والبصرة أيضا حجارة رخوة مائلة إلى البياض.
(٣) أي أمرتم النزول والاقامة حفظا لأرض فارس من خروج الهند لقتال العرب.
(٤) انظره في مسلم في كتاب الزهد حديث رقم ٢٩٦٧ والترمذي في الزهد وابن ماجه في الزهد.
(٥) وعتبة بن غزوان من السابقين في الاسلام هاجر الهجرتين وارسله عمر إلى البصرة فاختطها وسكنها الناس وكان ذلك سنة ١٧ هـ وقد ذكر هذا الصحابي حالة الجوع التي عاناها مع رسول الله ﷺ في أول الأمر.
(٦) روح بن أسلم: الباهلي. قال الذهبي: ضعيف. من الطبقة التاسعة.
(٧) وأخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة برقم ٢٤٧٤. ولعل هذا كان حين الحصار في الشعب مع بني هاشم.
[ ٢١٢ ]
قال عبد الله «١» قال بعضهم هو كثرة الأيدي «٢» .
٣٥٩- حدثنا عبد بن حميد. حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك. حدثنا ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب «٣» عن نوفل بن إياس الهذلي، قال:
«كان عبد الرحمن بن عوف «٤» لنا جليسا، وكان نعم الجليس وإنه انقلب «٥» بنا ذات يوم، حتى إذا دخلنا بيته دخل فاغتسل ثمّ خرج، وأتينا بصحفة «٦» فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن فقلت: يا أبا محمد ما يبكيك؟ فقال هلك رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا» .
_________________
(١) وهو ابن عبد الرحمن شيخ الترمذي.
(٢) ومن معناه أيضا تناول الطعام مع أهل البيت، ومن معناه الضيق والشدة.
(٣) مسلم بن جندب: الهذلي المدني القاضي، ثقة، توفي سنة ١٦٠ هـ خرج له البخاري.
(٤) عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين استخلف من خليفة إلا كانت له بطين بالجنة.
(٥) انقلب بنا: أي رجع معنا من السوق أو غيرهم.
(٦) الصحفة وهي اناء كالقصعة.
[ ٢١٣ ]