١ - قال مسلم (٤ - ١٩١٩): حدثنا هداب بن خالد الأزدي حدثنا سليمان بن المغيرة أخبرنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت قال: قال: أبو ذر خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له فقلت أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لك فيما بعد، فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهن فخير، أنيسًا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها قال: وقد صليت يا بن أخي قبل أن
[ ٧٨ ]
ألقي رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي، أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس، فقال أنيس: أن لي حاجة بمكة فاكفني فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال: فأتيت مكة فتضعفت رجلًا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ فأشار إلي فقال: الصابئ؟ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيًا علي، قال فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، قال فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا بن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع، قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان إذ ضرب على أسمختهم فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافًا ونائلة قال فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى. قال فما تناهتا عن قولهما، قال فاتتا علي فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لا أكني، فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا. قال: فاستقبلهما رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وهما هابطان، قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملا الفم. وجاء رسول الله - ﷺ - حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى، فلما قضى صلاته قال أبو ذر: فكنت أنا أول من حياه بتحية الإِسلام، قال فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك ورحمة الله. ثم قال: من أنت؟ قال قلت: من غفار، قال فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه وكان
[ ٧٩ ]
أعلم به مني، ثم رفع رأسه ثم قال: متى كنت ها هنا قال قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك. قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. قال: إنها مباركة إنها طعام طعمة. فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله - ﷺ - فقال: إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ فأتيت أنيسًا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنًا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله - ﷺ - المدينة فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله أخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا فقال رسول الله - ﷺ - "غفار غفر الله لها واسلم سالمها الله".
٢ - قال البخاري (٣ - ١٢٩٤): حدثنا زيد هو بن أخزم قال أبو قتيبة سلم بن قتيبة حدثني مثني بن سعيد القصير قال حدثني أبو جمرة قال قال لنا بن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال قلنا: بلى. قال قال أبو ذر: كنت رجلًا من غفار فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي انطلق إلى هذا الرجل كلمه وأتني بخبره، فانطلق فلقيه ثم رجع، فقلت ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير وينهى عن الشر. فقلت له: لم تشفني من الخبر، فأخذت جرابًا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، قال فمر بي علي فقال: كأن الرجل غريب. قال قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى
[ ٨٠ ]
المسجد لأسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء، قال: فمر بي علي. فقال: أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قال قلت: لا. قال: انطلق معي قال فقال: ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة؟ قال قلت له: إن كتمت علي أخبرتك. قال: فإني أفعل. قال قلت له: بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه فقال له أما إنك قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني ادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت، فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي - ﷺ - فقلت له اعرض علي الإسلام، فعرضه فأسلمت مكاني. فقال لي: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلا بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل. فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا فضربت لأموت. فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم. فقال: ويلكم تقتلون رجلًا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني. فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس. قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر -﵀-.
٣ - قال البخاري (٣ - ١٤٠١): حدثني عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا المثنى عن أبي جمرة عن بن عباس - ﵁ - لما بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي - ﷺ - ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى
[ ٨١ ]
أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي - ﷺ - حتى أمسى فعاد إلى مضجعه، فمر به علي فقال أما نال للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي مثل ذلك، فأقام معه ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت. ففعل، فأخبره قال: فإنه حق وهو رسول الله - ﷺ - فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - ﷺ - ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه فقال له النبي - ﷺ -: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه قال ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشام، فأنقذه منهم ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه.