٦ - قال ابن إسحاق مسند الإِمام أحمد بن حنبل (٣ - ٤٦٠): حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة أن أخاه عبيد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعب بن مالك وكان كعب ممّن شهد العقبة وبايع رسول الله - ﷺ - بها قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا: يا هؤلاء إني قد رأيت والله رأيا وأني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قال قلنا: له وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلي إليها، قال فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه. فقال: إني أصلي إليها. قال فقلنا له: لكنا لا نفعل. فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة. قال أخي وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة عليه، فلما قدمنا مكة قال: يا بن أخي انطلق إلى رسول الله - ﷺ - فأسأله عما صنعت في سفري هذا فإنه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه؟ قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله - ﷺ - وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجل من أهل مكة فسألناه عن رسول الله - ﷺ - فقال: هل تعرفانه؟ قال قلنا: لا. قال: فهل
[ ١٠٩ ]
تعرفان العباس بن عبد الطلب عمه؟ قلنا: نعم. قال: وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله - ﷺ - معه جالس، فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله - ﷺ - للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قوله، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله - ﷺ -: الشاعر؟ قال: نعم قال فقال البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وهداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله - ﷺ - فصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم قال: وخرجنا إلى الحج فواعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله - ﷺ - ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من سادتنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوته إلى الإسلام وأخبرته بميعاد رسول الله - ﷺ - فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - ﷺ - نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائهم نسيبة بنت كدب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع، قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله - ﷺ - حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر بن أخيه ويتوثق له، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول
[ ١١٠ ]
متكلم فقال: يا معشر الخزرج. قال وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج (أوسها وخزرجها) إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده. قال فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله - ﷺ - فتلا ودعا إلى الله -﷿- ورغب في الإسلام. قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا. فبايعنا رسول الله - ﷺ - فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله - ﷺ - أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبد الأشهل فقال: يا رسول الله إن بيننا وبن الرجال حبالًا وإنا قاطعوها، يعني العهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: بل الدم الدم الهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم، وقد قال رسول الله - ﷺ - أخرجوا إلي منكم أثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم. فأخرجوا منهم أثني عشر نقيبًا منهم تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وأما معبد بن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله - ﷺ - البراء بن معرور، ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله - ﷺ - صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب (والجباجب المنازل) هل لكم في مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ قال علي (يعني بن إسحاق ما يقول عدو الله: محمَّد) فقال رسول الله - ﷺ -: هذا أزب العقبة هذا بن أذيب أسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك. ثم قال رسول الله - ﷺ -: ارفعوا إلي رحالكم قال فقال له العباس بن عبادة بن نضلة. والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا. قال فقال رسول الله - ﷺ -: لم أومر بذلك. قال: فرجعنا فنمنا حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا
[ ١١١ ]
معشر الخزرج أنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، والله إنه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم. قال: فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منا، قال فبعضنا ينظر إلى بعض قال وقام القوم وفيهم الحرث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان، قال فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: ما تستطيع يا أبا جابر وأنت سيد من سادتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحرث فخلعها ثم رمي بهما إلي فقال والله لتنتعلنهما. قال يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى فأردد عليه نعليه قال فقلت: والله لا أردهما فأل والله صلح والله لئن صدق الفأل لأسلبنه. فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها.
[درجته: رواه أيضًا من طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٤٤) والطبرانيُّ (١٩ - ٨٧)، هذا السند: صحيح. رواه ابن حدثني معبد بن كعب ابن مالك بن القين، أخو بني سلمة، عن أخيه عبد الله، عن أبيه كعب بن مالك، قال: خرجنا في الحجة .. وهذا الإسناد صحيح شيخ ابن إسحاق، ثقة من رجال الشيخين فقد وثقه العجلي (٤٣٣)، وأخوه ثقة. انظر التقريب (١/ ٤٤٠) حيث قال الحافظ: ثقة يقال له رؤية].