١ - قال ابن إسحاق. السيرة النبوية (٢ - ١٣٠): حدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله - ﷺ - جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمَّد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله - ﷺ - يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى. يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر
[ ١١٢ ]
عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها فقال له رسول الله - ﷺ -: قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - ﷺ - يستمع منه قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال فاسمع مني. قال: أفعل. فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:١ - ٥]، ثم مضى رسول الله - ﷺ - يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله - ﷺ - إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.
[درجته: حديثٌ حسنٌ وفي سنده ضعف، هذا السند: ابن إسحاق لم يدلس وشيخه يزيد ثقة وهو مولى عبد الله بن عياش. التهذيب (١١ - ٣٢٨) وكذلك محمَّد بن كعب فهو تابعي ثقفة. لكن في
[ ١١٣ ]
السند ضعفًا لجهالة الراوي الذي حدث محمَّد بن كعب وهو يروي عن الصحابة فإن كان صحابيًا صح السند وإن كان تابعيًا فلا بد من معرفته ومنزلته التوثيقية، وأمام هذا التردد يكون في السند ضعفًا حتى يثبث العكس، أو يكون للحديث شاهد يقويه لكنه لم يذكر اسم من حدثه قد يكون صحابيًا، وقد يكون تابعيًا. لكن للحديث شاهدان يتقوى بهما. الأول عند عبد بن حميد (ابن كثير ١ - ٥٠٢) وفيه ضعف يسير. من أجل رجل لم يوثقه إلا ابن حبان وهو الذيال بن حرملة. لكنه تابعي وروى عنه وشاهد قصير عند ابن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر وفيه ابن إسحاق لم يصرح بالسماع من نافع فالحديث بهذه الطرق حسن. وانظر ما بعده].
٢ - قال ابن إسحاق. السيرة النبوية (٢ - ١٣٢):. حدثني بعض أهل العلم عن سعيد ابن جبير وعن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس - ﵄ -: اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث أخو بني عبد الدار وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وأمية بن خلف أو من اجتمع منهم قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمَّد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم رسول الله - ﷺ - حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمَّد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك (وكانوا يسمعون التابع من الجن رئيًا) فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب رآه لك، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله - ﷺ - ما بي ما تقولون،
[ ١١٤ ]
ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا من ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال - ﷺ -. قالوا: يا محمَّد فإن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولًا كما تقول. فقال له صلوات الله وسلامه عليه: ما بهذا بعثت إليكم من الله إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك بأن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتلتمس المعاش منا كما تلتمسه نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم؟ فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا أو كما قال فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا فأسقط السماء علينا كسفًا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل. قال فقال رسول الله - ﷺ -: ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل. قالوا: يا محمَّد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم فيعلمك ما تراجعنا به
[ ١١٥ ]
ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به، إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا فقد أعذرنا إليك يا محمَّد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، فلما قالوا ذلك لرسول الله - ﷺ - حينئذ قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو ابن عمته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمَّد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، أو كما قال له فوالله لا أومن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا انظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ثم انصرف عن رسول الله - ﷺ - وانصرف رسول الله - ﷺ - إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم، فلما قام عنهم رسول الله - ﷺ - قال أبو جهلة يا معشر قريش إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله أو كما قال فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني ثم ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا فامض لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف ثم جلس لرسول الله - ﷺ - ينتظره وغدا رسول الله - ﷺ - كما كان يغدو وكان رسول الله - ﷺ - بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صلى، صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود وجعل الكعبة بينه وبن الشام، فقام رسول الله - ﷺ - يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله - ﷺ - احتمل
[ ١١٦ ]
أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني قال ابن إسحاق فذكر لي أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك جبريل -﵇- لو دنا لأخذه.
[درجته: بعضه صحيح وسنده ضعيف، هذا السند: كما قال ابن إسحاق حدثني بعض أهل العلم عن سعيد ابن جبير وعن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس - ﵄ - وابن إسحاق هنا خلط الإسنادين ومتنهمًا معًا مما يجعل تمييز حديث ابن عباس عن حديث ابن جبير صعبًا، لذلك يمكن اعتبار السندين إسنادًا واحدًا ضعيفًا، لكن يمكن -غالبًا- بالرجوع إلي مرويات الطبري الحصول على دقة أكثر في المتن والسند، فقد قال ابن إسحاق - تفسير الطبري (١٥ - ١٦٤):
حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلًا من بني عبد الدار وأبا البختري أخا بني أسد والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهًا ومنبهًا ابني الحجاج السهميين اجتمعوا أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس ثم ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمَّد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك. فجاءهم رسول الله - ﷺ - سريعًا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمَّد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن
[ ١١٧ ]
كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك به رئيًا تراه قد غلب عليك (وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي) فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب رآه لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل علي كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال رسول الله - ﷺ -. فقالوا: يا محمَّد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا ولا أقل مالًا ولا أشد عيشًا منا، فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل، فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك ثم الله، وأنه بعثك بالحق رسولًا كما تقول فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما بهذا بعثت إنما جئتكم من الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك واسأله فليجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فأسقط السماء علينا كسفًا كما زعمت أن ربك
[ ١١٨ ]
إن شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال رسول الله - ﷺ -: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك. فقالوا: يا محمَّد فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك أيضًا إذ لم تقبل منا ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله ما نؤمن بالرحمن أبدًا، أعذرنا إليك يا محمَّد، أما والله لا نتركك وما بلغت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. قال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهن بنات الله، وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك قام رسول الله - ﷺ - عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو ابن عمته ابن عاتكة ابنة عبد المطلب فقال له: يا محمَّد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن لك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت ألا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله - ﷺ - وانصرف رسول الله - ﷺ - إلى أهله حزينًا أسيفًا لما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه، فلما قام عنهم رسول الله - ﷺ - قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر قدر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته فضخت رأسه به.
ثم ذكر الطبري (١٥ - ١٦٦) قول ابن إسحاق:
حدثني محمَّد بن أبي محمَّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس بنحوه، ويقصد بذلك الحديث السابق وهذا يعني أن الرجل الذي وصفه ابن إسحاق ببعض أهل العلم هو: محمَّد بن أبي محمَّد وهو رجل مجهول الحال سكت عنه الرازي في الجرح والتعديل (٨ - ٨٨)، وقال عنه
[ ١١٩ ]
الذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال (٦ - ٣٢١): محمَّد بن أبي محمَّد مدني عن سعيد بن جبير وغيره لا يعرف، روى عنه ابن إسحاق، من هنا يصح من هذه الرواية الجزء الأول منها إلي قولهم: "حتى نبرئك منه".
وللحديث شاهدان يتقوى بهما. الأول عند عبد بن حميد [ابن كثير (١/ ٥٠٢)] وفيه ضعف يسير من أجل رجل لم يوثقه إلا ابن حبان وهو الذيال بن حرملة، وشاهد قصير عند ابن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر وفيه ابن إسحاق لم يصرح بالسماع من نافع فالحديث بهذه الطرق حسن.