١ - فقال أحمد (٣ - ٤٩٢): حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال حدثني عبد العزيز بن محمَّد بن أبي عبيد عن بن أبي ذئب عن سعيد بن خالد القرظي عن ربيعة بن عباد الديلي أنه قال: رأيت أبا لهب بعكاظ وهو يتبع رسول الله - ﷺ - وهو يقول: يا أيها الناس إن هذا قد غوى فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم، ورسول الله - ﷺ - يفر منه وهو على رجاء، ونحن نتبعه ونحن غلمان كأني أنظر إليه أحول ذا غديرتين أبيض الناس وأجملهم.
[درجته: حديث صحيح وسنده حسن، هذا السند: مصعب الزبير، عالم صدوق، وعبد العزيز بن محمَّد بن عبيد الدراوردي أبو محمَّد الجهني صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطىء قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر تقريب التهذيب (٣٥٨)، فحديثه هنا حسن لأنه عن غير عبيد الله العمري، بل عن ابن أبي ذئب: واسمه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة وهو ثقة فاضل فقيه، عن سعيد بن خالد القرظي، وهو تابعي صدوق. انظر التهذيب (٤/ ٢٠): والحديث صحيح بما بعده].
[ ٩٦ ]
٢ - فقال أحمد (٣ - ٤٩٢): حدثنا محمَّد بن بشار بندار قال ثنا عبد الوهاب قال ثنا محمَّد بن عمرو عن محمَّد بن المنكدر عن ربيعة بن عباد قال: رأيت النبي - ﷺ - بذي المجاز يدعو الناس وخلفه رجل أحول يقول: لا يصدنكم هذا عن دين آلهتكم قلت من هذا؟ قالوا: هذا عمه أبو لهب.
[درجته: حديث صحيح هذا السند: حسن من أجل محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام تقريب التهذيب ٤٩٩ والحديث صحيح بما قبله وما بعده].
٣ - وقال أحمد أيضًا: حدثني سريج بن يونس قال ثنا عباد بن عباد عن محمَّد بن عمرو عن ربيعة بن عباد قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وهو يدعو الناس إلى الإسلام بذي المجاز وخلفه رجل أحول يقول: لا يغلبنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت لأبي وأنا غلام: من هذا الأحول، الذي يمشي خلفه؟ قال: هذا عمه أبو لهب. قال عباد: أظن بين محمَّد بن عمرو وبين ربيعة محمَّد بن المنكدر.
[هذا السند: حسن من أجل محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني قال في تقريب التهذيب (١ - ٤٩٩): صدوق له أوهام لكنه أسقط شيخه وقد أصاب عباد في ملاحظته التي ذكرها الإمام أحمد والحديث صحيح بما قبله وما بعده وقد توبع محمَّد بن عمرو في الحديث التالي:].
٤ - قال أحمد أيضًا: حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان قال حدثني سعيد بن سلمة يعني بن أبي الحسام قال ثنا محمَّد بن المنكدر أنه سمع ربيعة بن عباد الديلي يقول: ثم رأيت رسول الله - ﷺ -: يطوف على الناس بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول يا أيها الناس إن الله -﷿- يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا قال: ووراءه رجل يقول: هذا يأمركم أن تدعوا دين آبائكم. فسألت من هذا الرجل؟ فقيل: هذا أبو لهب.
٥ - وقال أيضًا: حدثني أبو سليمان الضبي داود بن عمرو بن زهير المسيبي قال ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن ربيعة بن عباد الديلي وكان جاهليًا أسلم فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا
[ ٩٧ ]
يقول شيئًا وهو لا يسكت يقول: أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، إلا أن وراءه رجلًا أحول وضيء الوجه ذا غديرتين يقول: أنه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا: محمَّد بن عبد الله وهو يذكر النبوة. قلت من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب. قلت: إنك كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل.
[درجته: حديثٌ حسنٌ وسنده ضعيف هذا السند: فيه ضعف يسير من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني مولى قريش صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد تقريب التهذيب ٣٤٠ إذا فهذا الحدث مما يدخل تحت القسم الضعيف لأن تلميذه بغدادي والحديث حسن بما قبله وبما بعده وقد توبع].
٦ - وقال أحمد أيضًا: حدثنا محمَّد بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان عن أبيه أبي الزناد قال رأيت رجلًا يقال له ربيعة بن عباد الديلي قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وهو يمر في فجاج ذي المجاز إلا أنهم يتبعونه وقالوا هذا محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب قال ورجل أحول وضيء الوجه ذو غديرتين يتبعه في فجاج ذي المجاز ويقول أنه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا عمه أبو لهب.
[درجته: حديث صحيح انظر الحديث السابق].
٧ - فقال أحمد أيضًا: حدثنا مسروق بن المرزبان الكوفي ثنا بن أبي زائدة قال قال ابن إساحق فحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس قال سمعت ربيعة بن عباد الديلي قال: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة، يقف رسول الله - ﷺ - على القبيلة ويقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ رسول الله - ﷺ - من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الحي بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت، لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب.
[ ٩٨ ]
[درجته: حديثٌ حسنٌ وفي سنده ضعف، رواه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير (٥ - ٦٣) حدثنا الحسن بن علي المعمري ثنا مسروق بن المرزبان ثنا بن أبي زائدة حدثني محمَّد بن إسحاق، هذا السند: فيه ضعف من أجل حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني ضعيف تقريب التهذيب (١٦٧)، وإن وثقه ابن إسحاق إلا أن هناك من ضعفه، والحديث حسن بما قبله وما بعده].
٨ - فقال الطبراني في المعجم الأوسط (٦ - ٢٩٤): حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عرس ثنا هارون بن موسى الفروي ثنا إسحاق بن محمَّد الفروي نا عبد الله بن عمر حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أمه عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه في كل سنة على القبائل من العرب أن يؤووه إلى قومهم حتى يبلغ كلام الله ورسالاته ولهم الجنة، فليست قبيلة من الغرب تستجيب له حتى أراد الله إظهار دينة ونصر نبيه وإنجاز ما وعده ساقه الله إلى هذا الحي من الأنصار، فاستجابوا له وجعل الله لنبيه - ﷺ - دار هجرته.
[درجته: حديثٌ حسنٌ بما بعده رواه: أيضًا أبو نعيم (٢٩٢)، هذا السند: فيه ضعف يسير لأنه من طريق: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو رجل صالح عابد صدوق في نفسه لكن في حديثه بعض الاضطراب، لكن يشهد له ما بعده].
٩ - قال الإمام أحمد بن حنبل (٣ - ٣٩٠): حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أسود بن عامر أنا إسرائيل عن عثمان يعني بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي -﷿-؟ " فأتاه رجل من همدان فقال: "ممّن أنت؟ " فقال الرجل: من همدان قال: "فهل عند قومك من منعة؟ " قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه، فأتى رسول الله فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل، قال: نعم، فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب.
[درجته: سنده صحيح، رواه الحاكم (٢ - ٦٦٩)، والدارميُّ (٢ - ٥٣٢)، من طرق عن إسرائيل، هذا السند: صحيح، سالم ثقة تابعي سمع من جابر. انظر جامع التحصيل (٢١٧) والتقريب وعثمان بن المغيرف الثقفي بالولاء قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيُّ، والعجلي،
[ ٩٩ ]
وابن نمير، وعبد الغني بن سنيد كل هؤلاء قالوا عنه: ثقة. التهذيب (٧/ ١٥٥) وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي ثقة من رجال الشيخين تكلم فيه بلا حجة، تقريب التهذيب (١٠٤)]:
١٠ - قال البيهقي في الدلائل (٢ - ٤٢٢): حدثنا أبو عبد الرحمن محمَّد بن الحسين السلمي، أنبأنا أبو بكر محمَّد بن إسماعيل الفقيه الشاشي، حدثنا الحسن بن صاحب بن حميد الشاشي، حدثني عبد الجبار بن كثير الرقي، حدثنا محمَّد بن بشر اليماني عن أبان بن عبد الله البجلي، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس - ﵄ - عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: (لما أمر الله ﵎ رسوله - ﷺ - أن يعرض نفسه على قبائل العرب، وأنا معه وأبو بكر - ﵁ -، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر وكان مقدمًا في كل خير، وكان رجلًا نسابة - فسلم، وقال: ممّن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال أبو بكر: وأي ربيعة أنتم؟ أمن هامها، أي من لهازمها؟
فقالوا: من الهامة العظمي.
فقال أبو بكر - ﵁ -: وأي هاماتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر؟ قال أبو بكر:
منكم عوف الذي يقال له: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم جساس بن مرة، حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم بسطام بن قيس، أبو اللواء، ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم الحوفزان، قاتل الملوك، وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم المزدلف، صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا.
قال: أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا.
[ ١٠٠ ]
قال: أصحاب الملوك من لخم؟ قالوا: لا.
قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم من ذهل الأصغر.
فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له "دغفل" حين تبين وجهه فقال: إن على سائلنا أن نسله والعبو لا نعرفه أو نجهله
يا هذا .. قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئًا، فممن الرجل؟
قال أبو بكر: أنا من قريش.
فقال الفتى: بخٍ .. بخٍ أهل الشرف والرياسة. فمن أي القرشيين أنت؟ قال أبو بكر: ولد تيم بن مرة.
فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر، فكان يدعى في قريش مجمعًا؟ قال أبو بكر: لا. قال: فمنكم هشام الذي هشم الثريد لقومه، ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد: عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية؟ قال أبو بكر: لا.
قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل النداوة أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا.
فاجتذب أبو بكر - ﵁ - زمام الناقة راجعًا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال الغلام: صادف در السيل درا يدفعه يضبه حينًا وحينًا يصدعه، أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش، فتبسم رسول الله - ﷺ -، فقال علي: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي
[ ١٠١ ]
على باقعة. قال أبو بكر: أجل يا أبا الحسن، ما من طامة، إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق.
قال علي - ﵁ - ثم دفعنا إلى مجلس آخر، عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر، فسلم. فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر الناس، فيهم مفروق بن عمرو، وهاني بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان مفروق قد غلبهم جمالًا ولسانًا، وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته، وكان أدنى القوم مجلسًا، فقال أبو بكر - ﵁ -: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق بن عمرو: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبن عدوكم؟ فقال المفروق: إنا لأشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يدلنا مرة، ويدلي علينا أخرى، لعلك أخا قريش؟
فقال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله؟ ألا هو ذا. فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذاك، فإلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله - ﷺ - فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقام رسول الله - ﷺ -: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله لا شريك له .. وأن محمدًا عبده ورسوله، وإلى أن تؤوني وتنصروني، فإن قريشًا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله الغني الحميد". فقال مفروق ابن عمرو: وإلامَ تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض. فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ
[ ١٠٢ ]
الْفَحْشَاءِ﴾، فقال مفروقة دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا. فقال هانئ بن قبيصة: لقد سمعت مقالتك يا أخا قريش، إني أرى ان تركنا ديننا واتباعنا على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر أنه زلل في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن يعقد عليهم عقدًا ولكن نرجع وترجع وننظر، وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة، شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى بن حارثة: سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب في جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين صريين اليمامة والسمامة، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما هذان الصريان؟ ". فقال المثنى: أنهار كسرى، مياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه مغفور، وعنده مقبول، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثًا، ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم. أتسبحون الله وتقدسونه"، فقال النعمان بن شريك: اللَّهم فلك ذلك. فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ثم نهض رسول الله - ﷺ - قابضًا على يدي أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع الله -﷿- بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم، قال علي - ﵁ -: فدفعنا إلي مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا، حتى بايعوا رسول الله - ﷺ -، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - وقد سر بما كان من أبي بكر ومعرفته بأنسابهم.
[درجته: سنده قوى وهو صحيح، هذا السند: جيد، رواه البيهقي في الدلائل (٢ - ٤٢٢)،
[ ١٠٣ ]
واللفظ له من طرق أخرى أيضًا حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن أحمد العماني، حدثنا محمَّد بن زكريا الغلابي، حدثنا شعيب بن واقد حدثنا أبان بن عبد الله البجلي .. ثم قال وروي أيضًا بإسناد آخر مجهول عن أبان بن تغلب .. وقال أيضًا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، حدثنا أبو محمَّد بن جعفر بن عنبسة الكوفي، حدثني محمَّد بن الحسين القرشي، حدثنا أحمد بن أبي نصر السكوني، عن أبان بن عثمان الأمر عن أبان بن تغلب .. كما رواه وأبو نعيم ٢٨٢ من طرق عن أبان بن تغلب.
ورواه ابن حبان في الثقات (١ - ٨٠): أخبرنا الحسن بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة ثنا عبد الجبار بن محمَّد بن كثير التميمي ثنا محمَّد بن بشر اليماني عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبان بن تغلب. كما رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧ - ٢٩٣) عن البيهقي من طريق أبان.
فمدار الحديث على أبان بن تغلب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس - ﵄ - عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: .. وأبان بن تغلب الربعي، أبو سعد الكوفي، ثقة قال أحمد بن حنبلة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: ثقة، لكنه قد عرف بالتشيع، وتشيعه من النوع الذي يقول عنه الحافظ: (التشيع في عرف المتقدمين: اعتقاد تفضيل علي على عثمان .. ثم قال: وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافض الغالي ولا كرامة) وهذا الرجل ليس من الرافضة، بل ممّن ينطبق عليهم التعريف الأول، ولذلك قال الحافظ نفسه عنه في تقريب التهذيب ٨٧: أبان بن تغلب أبو سعد الكوفي ثقة تكلم فيه للتشيع. وانظر التهذيب (١/ ٩٤) وشيخه هو عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن بن عمر ولا تثبت عنه بدعة. تقريب التهذيب (٣٩٧). وقد قال الحافظ في الفتح: وأخرج الحاكم والبيهقيُّ في الدلائل بإسناد حسن. انظر فتح الباري (١٥/ ٧١) وقول القسطلاني في المواهب: أخرجه الحاكم والبيهقيُّ وأبو نعيم بإسناد حسن].