من أهمّ العوامل التي ساعدت على بناء شخصيته العلمية بعد العناية الإلهية هي البيئة الداخلية، والخارجية التي عاش فيها المؤلف، فالبيئة الداخلية المتمثلة بالعائلة، والتي لها الدور الكبير، والفعال في بناء شخصية أي فرد، فنشأته﵀في كنف عائلة علمية كبيرة كان لها الدور الكبير في دعمه وتشجيعه، خاصّة جدّه قاضي القضاة العزّ عبد العزيز بن جماعة.
ومن ثمّ البيئة الخارجية التي عاش المؤلف فيها، المتمثلة بعصره الذي كان يزخر بالعديد من العلماء في شتى فنون العلم، فكان لذلك
_________________
(١) «النجوم الزاهرة» (١٧٩/ ١٦).
(٢) «البدر الطالع» (١١٢/ ٢).
(٣) «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (٤٢٥/ ٢).
(٤) «البدر الطالع» (١٥٦/ ٢).
[ ١١ ]
الأثر الكبير في بناء شخصيته، وملكته، فخلق ذلك عاملا فاعلا في نبوغه، وتقدّمه على أقرانه.
أضف إلى ذلك الاستعداد الفطريّ الذي كان يتمتع به، مع ما حباه الله تعالى به من العناية والتوفيق، التي لا يتمّ بغيرها التسديد، فرغب إلى العلم وتحصيله، ومحبة أهله، بعد أن ذاق حلاوته، حتى بلغ من علوّ همّته ما بلغ، فكان لا ينظر إلى شيء إلا وأحبّ أن يقف على أصله، ويشارك فيه، ورحم الله تعالى الشيخ الزاهد محمد بن الفضل البلخي حينما قال: «من ذاق حلاوة العلم، لا يصبر عنه» (^١).
فنشأ مشتغلا بالعلم، وسمع الكثير على جماعة من أكابر العلماء، فسمع من القلانسيّ، والعرضيّ، والتبانيّ، وجدّه عبد العزيز، وغيرهم، وأحضر على الميدوميّ، وأجاز له جماعة من الشّاميين، والمصريين بعناية الشيخ زين الدين العراقيّ، وتفقّه بالشيخ سراج الدين البلقيني.
ثم مال إلى العلوم العقلية، فقرأ على علماء المعقول في عصره، كالسيراميّ، والعزّ الرازيّ، وابن خلدون، حتى أتقن هذا العلم، وصار يشار إليه بالبنان، وتقصده الطلبة من كل حدب وصوب، وصار أمة وحده فيه. وقد أقبل في أواخر حياته على النظر في كتب الحديث، فاستعار من ابن العديم «تخريج أحاديث الرافعي الكبير» للشيخ ابن الملقّن، وهو في سبع مجلدات، فمرّ عليه كلّه، واختصره، وفرغ منه
_________________
(١) «طبقات الصوفية» للسّلمي (٢١٥).
[ ١٢ ]
عند موت ابن العديم، ثم لم يلبث هو بعد ذلك بيسير، فكان آخر عهده من العلم علم الحديث.
قال تلميذه الحافظ ابن حجر (^١): ولم يتزوج فيما علمت، بل كانت عنده زوجة أبيه، فكانت تقوم بأمر بيته، ويبرّها، ويحسن إليها، ولم يتفق له أن حجّ، مع حرص أصحابه له على ذلك، وكان يعاب بالتزيّي بزيّ العجم من طول الشارب، وعدم السّواك، حتى سقطت أسنانه.