في أعلام نبوته ﷺ على سبيل الإجمال، لأن تفصيله يحتاج إلى مجلدات عديدة، وقد جمع الأئمة في ذلك ما زاد على ألف معجزة.
فمن أبهرها وأعظمها القرآن العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإعجازه من جهة لفظه ومعناه:
أما لفظه ففي أعلى غايات فصاحة الكلام وكل من ازدادت معرفته بهذا الشأن ازداد للقرآن تعظيمًا في هذا الباب، وقد تحدى الفصحاء والبلغاء في زمانه
[ ١ / ٢٢٨ ]
مع شدة عدواتهم له، وحرصهم على تكذيبه، بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله، أو بسورة، فعجزوا.
وأخبرهم أنهم لا يطيقون ذلك أبدًا، بل قد تحدى الجن والإنس قاطبة على أن يأتوا بمثله فعجزوا، وأخبرهم بذلك، فقال الله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ إلى غير ذلك من الوجوه المثبتة لإعجازه.
وأما معناه فإنه في غاية التعاضد والحكمة، والرحمة والمصلحة، والعا قبة الحميدة والاتفاق، وتحصيل أعلى المقاصد، وتبطيل المفاسد، إلى غير ذلك مما يظهر لمن له لب وعقل صحيح خال من الشبه والأهواء، نعوذ بالله منها ونسأله الهدى.
ومن ذلك أنه نشأ بين قوم يعرفون نسبه ومرباه ومدخله ومخرجه، يتيمًا بين أظهرهم، أمينًا صادقًا، بارًا راشدًا، كلمهم يعرف ذلك ولاينكره إلا من عاند وسفسط وكابر.
وكان أميًا لا يحسن الكتابة ولا يعانيها ولا أهلها، وليس في بلادهم من علم الأولين، ولا من يعرف شيئًا من ذلك فجاءهم على رأس أربعين سنة من عمره يخبر بما مضى مفصلا مبينًا، يشهد له علماء الكتب المتقدمة البصيرون بها المهتدون بالصدق، بل أكثر الكتب المنزلة قبله قد دخلها
[ ١ / ٢٢٩ ]
التحريف والتبديل، ويجيء ماأنزل الله عليه مبينًا عليه، دالًا على الحق منه، وهو مع ذلك في غاية الصدق والأمانة، والسمت الذي لم ير أولو الألباب مثله ﷺ، والعبادة لله، والخشوع له، والذلة له، والدعاء إليه، والصبر على أذى من خالفه واحتماله، وزهده في الدنيا، وأخلاقه السنية الشريفة: من الكرم والشجاعة والحياء والبر، والصلة ﷺ، إلى غير ذلك من الأخلاق التي لم تجتمع في بشر قبله ولا بعده، إلا فيه، فبالعقل يدرك أن هذا يستحيل أن يكذب على أدنى مخلوق بأدنى كذبة، فكيف يمكن أن يكون في مثل هذا قد كذب على الله رب العالمين، الذي قد أخبرهو بما لديه من أليم العقاب، وما لمن كذب عليه وافترى؟! هذا لايصدر إلا من شر عباد الله وأجرئهم وأخبثهم، ومثل هذا لا يخفى أمره على الصبيان في المكاتب، فكيف بأولي الأحلام والنهى، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم وفارقوا أولادهم وأوطانهم وعشائرهم في حبه وطاعته؟ رضي الله تعالى عنهم، وصلى الله عليه وسلم في تعاقب الليل والنهار.
ومن ذلك ما أخبر ﷺ به في هذا القرآن، وفيما صح عنه من الأحاديث، من الغيوب المستقبلة المطابقة لخبره حذو القذة بالقذة مما يطول استقصاؤه ها هنا.
ومن ذلك ماأظهره الله تعالى على يديه من خوارق العادات الباهرة: فمن ذلك: ماأخبر الله ﷿ عنه في كتابه العزيز من انشقاق القمر،
[ ١ / ٢٣٠ ]
وذلك أن المشركين سألوه آية وكان ذلك ليلًا، فأشار إلى القمر، فصار فرقتين، فسألوا من حولهم من الأحياء، لئلا يكون قد سحرهم فأخبروهم بمثل ما رأوا، وهذا متواتر عنه عند أهل العلم بالأخبار، وقد رواه غير واحد من الصحابة ﵃ أجمعين.
ومن ذلك ما ظهر ببركة دعائه في أماكن يطول بسطها، وتضيق مجلدات عديدة عن حصرها، وقد جمع الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى كتابًا شافيًا في ذلك مقتديًا بمن تقدمه في ذلك، كما اقتدى به كثيرون بعده رحمهم الله تعالى:
فمن ذلك أنه ﷺ دعا الله تعالى في السخلة التي كانت مع ابن مسعود في الرعي، وسمى الله وحلبها، فدرت عليه، فشرب وسقى أبا بكر، وكذلك فعل في شاة أم معبد.
[ ١ / ٢٣١ ]
ودعا للطفيل بن عمرو، فصارت آية في طرف سوطه، نور يلمع يرى من بعد.
وكذلك حصل لأسيد بن الحضير وعباد بن بشر الأنصاري وقد خرجا من عنده في ليلة ظلماء.
ودعا الله على السبعة الذي سخروا منه وهو يصلي، فقتلوا ببدر.
ودعا على ابن أبي لهب، فسلط الله عليه السبع بالشام وفق دعائه ﵇.
ودعا على سراقة فساخت يدا فرسه في الأرض، ثم دعا الله فأطلقها ورمى كفار قريش في بدر بقبضة من حصباء فأصاب كلا منهم شيء منها وهزمهم الله.
وكذلك فعل يوم حنين سواء.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وأعطى يوم بدر لعكاشة بن محصن جذلًا من حطب فصار في يده سيفًا ماضيًا.
وأخبر عمه العباس - وهو أسير - بما دفن هو وأم الفضل من المال تحت عتبة بابهم، فأقرله بذلك.
وأخبر عمير بن وهب بما جاء له من قتله معتذرا بأنه جاء في فداء أسارى بدر، فاعترف له بذلك، وأسلم من وقته ﵁.
ورد يوم أحد عين قتادة بن النعمان الظفري بعد أن سالت على خده.
وقيل: بعدما صارت في يده، فصارت أحسن عينيه، فلم تكن تعرف من الأخرى.
وأطعم يوم الخندق الجم الغفير الذين يقاربون ألفًا: من سخلة وصاع شعير ببيت جابر.
كما أطعم يومئذ من نزر يسير من تمر، جاءت به ابنة بشير.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وكذلك أطعم نحو الثمانين من طعام كادت تواريه يده المكرمة.
وكذلك فعل يوم أصبح عروسًا بزينب بنت جحش.
وأما يوم تبوك، فكان أمرًا هائلًا، أطعم الجيش وملؤوا كل وعاء معهم من قدر ربضة العنز طعامًا.
وأعطى أبا هريرة ﵁ مزودًا فأكل منه دهره، وجهز منه في سبيل الله شيئًا كثيرًا ولم يزل معه إلى أيام مقتل عثمان.
وأشياء أخرى من هذا النمط يطول ذكرها مجردة، وسنفرد لذلك - إن شاء الله تعالى وبه الثقة - مصنفًا على حدة.
ودعا الله تعالى لما قحطوا فلم ينزل عن المنبر حتى تحدرالماء على لحيته ﷺ من سقف المسجد، وقد كان قبله لا يرى في السماء سحابة ولا قزعة ولا قدر الكف، ثم لما استصحى لهم انجاب السحاب عن المدينة حتى صارت المدينة في مثل الإكليل.
[ ١ / ٢٣٤ ]
ودعا الله على قريش فأصابهم من الجهد ما لا يعبر عنه، حتى استرحموه، فعطف عليهم فأفرج عنهم.
وأتي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، فرغب إليه أقوام هناك أن يتوضؤوا معه فوضع يده في ذلك الإناء، فما وسعها، ثم دعا الله، فنبع الماء من بين أصابعه ﷺ.
وكذلك فعل يوم الحديبية، وكان الجيش ألفًا وأربعمائة، قال جابر: ولو كنا مائة ألف لكفانا.
وكذلك فعل في بعض أسفره بقطرة من ماء في سقاء، قال الراوي: لما أمرني أن أفرغها في الوعاء خشيت أن يشربها يابس القربة، فوضع يده فيها، ودعا الله تعالى، فنبع الماء من بين أصابعه لأصحابه، حتى توضؤوا وشربوا.
وكذلك بعث سهمه إلى عين الحديبية فوضعت فيها فجاشت بالماء حتى
[ ١ / ٢٣٥ ]
كفتهم.
وكذلك فعل يوم ذات السطيحتين، سقى أصحابه وتوضؤوا، وأمر بعضهم فاغتسل من جنابة كانت عليه، ولم ينقص من تلك المزادتين اللتين للمرأة شيء، فذهبت إلى قومها، فقالت: رأيت اليوم أسحر أهل الأرض، أو إنه لنبي..
! ثم أسلمت، وأسلم قومها، ﵃.
في كثير من هذا النمط يطول بسطه، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى.