وفي الكتب المتقدمة البشارة به، كما أخبر الله تعالى أن ذلك في التوراة والإنجيل مكتوب، وكما أخبر عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾، وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه وجد صفته في التوراة ﷺ وذكرها.
وفي التوراة اليوم التي يقر اليهود بصحتها في السفر الأول أن الله تعالى تجلى
[ ١ / ٢٣٨ ]
لإبراهيم وقال له ما معناه: [فاسلك في الأرض طولًا وعرضًا لولدك تعظيمًا] .
ومعلوم أنه لم يملك مشارق الأرض ومغاربها إلا محمد ﷺ كما جاء في الصحيح عنه أنه قال: «إنه زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» .
وفيه أيضًا: [إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن إسحاق يكون لك منه نسل وأما إسماعيل فإني باركته وكثرته وعظمته، وجعلت ذريته بنجوم السماء
] إلى أن قال: [وعظمته بماذ ماذ - أي بمحمد، وقيل: بأحمد - وقيل: جعلته عظيمًا عظيمًا وجعل حذًا] .
وفيه: [إن الله وعد إبراهيم أن ولده إسماعيل تكون يده عالية على كل الأمم، فكل الأمم تحت يده، وبجميع مساكن إخوته يسكن]، وقد علم أهل الكتاب وغيرهم أن إسماعيل لم يدخل قط الشام ولا علت يده على إخوته، وإنما كان هذا لولده محمد ﷺ، ولا ملك الشام ومصر من العرب أحد قبل أمة محمد ﷺ، فإن فتحهما كان في خلافة الصديق والفاروق ﵄.
وفي السفر الرابع من التوراة التي بأيديهم اليوم ما معناه: [نبي أقيم لهم من أقاربهم من أخيهم مثلك يا موسى، أجعل نطقي بفيه] .
ومعلوم لهم ولكل أحد أن الله ﷿ لم يبعث من نسل إسماعيل سوى محمد ﷺ، بل لم يكن في بني إسرائيل نبي يماثل موسى إلا عيسى ﵇، وهم لا يقرون بنبوته، ثم
[ ١ / ٢٣٩ ]
ليس هو من إخوتهم، بل هو منتسب إليهم بأمه صلوات الله وسلامه عليه، فتعين ذلك في محمد ﷺ.
ومن ذلك ما ختمت به التوراة في آخر السفر الخامس ما معناه: [جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلى من جبال فاران] .
ومعنى هذا أن الله جاء شرعه ونوره من طور سيناء الذي كلم موسى عليه، وأشرق من ساعير وهو الجبل الذي ولد به عيسى ﵇ وبعث فيه، واستعلى من جبال فاران وهي مكة، بدليل أن الله أمر إبراهيم ﷺ أن يذهب بإسماعيل إلى جبال فاران.
وقد استشهد بعض العلماء على صحة هذا بأن الله سبحانه أقسم بهذه الأماكن الثلاثة فترقى من الأدنى إلى الأعلى في قوله تعالى ﴿والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين﴾، ففي التوراة ذكرهن بحسب الوقوع، الأول فالأول، وبحسب ما ظهر فيهن من النور.
وفي القرآن لما أقسم بهن ذكر منزل عيسى ثم موسى ثم محمد، صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين، لأن عادة العرب إذا أقسمت ترقت من الأدنى إلى الأعلى.
وكذا زبور داود ﵇ والنبوءات الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب، فيها البشارات به ﷺ كما يخبر بذلك من أسلم منهم قديمًا وحديثًا.
وفي الإنجيل ذكر - الفارقليط - موصوفًا بصفات محمد ﷺ سواء بسواء.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وأما كلام أشعيا وأرميا فظاهر جدًا لكل من قرأه.
ولله الحمد والمنة والحجة البالغة.