يشتمل على غزوة أحد مختصرة، وهي وقعة امتحن الله ﷿ فيها عباده المؤمنين واختبرهم، وميز فيها بين المؤمنين والمنافقين، وذلك أن قريشًا حين قتل الله سراتهم ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم تكن لهم في حساب، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق، ولم ينل ما في نفسه: شرع يجمع قريشًا ويؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عينين، وذلك في شوال من السنة الثالثة.
واستشار رسول الله ﷺ أصحابه: أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر إلى الإشارة بالخروج إليهم،
[ ١ / ١٤٤ ]
وألحوا عليه ﷺ في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بن سلول بالمقام بالمدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله ﷺ، فنهض ودخل بيته ولبس لأمته وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل.
فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» وأتي ﵊ برجل من بني النجار فصلى عليه، وذلك يوم الجمعة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
وخرج إلى أحد في ألف، فلما كان ببعض الطريق انخزل عبد الله بن أبي نحو ثلاثمائة إلى المدينة، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ﵄ يوبخهم ويحضهم على الرجوع، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع.
فلما أبوا عليه رجع عنهم وسبهم.
واستقل رسول الله ﷺ بمن بقي معه حتى نزل شعب أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح تعبأ ﵊ للقتال في أصحابه، وكان فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير الأوسي، وأمره وأصحابه أن لا يتغيروا من مكانهم، وأن يحفظوا ظهور المسلمين أن يؤتوا من قبلهم.
وظاهر ﷺ (يومئذ (بين درعين.
وأعطى اللواء مصعب بن عمير، أخا بني عبد الدار، وجعل على إحدى
[ ١ / ١٤٥ ]
المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى المجنبة الأخرى المنذر بن عمرو المعنق ليموت.
واستعرض الشباب يومئذ، فأجاز بعضهم ورد آخرين، فكان ممن أجاز سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة.
وكان ممن رد يومئذ أسامة بن زيد بن حارثة، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وغرابة بن أوس، وعمرو بن حزم.
ثم أجازهم يوم الخندق.
وتعبأت قريش أيضًا وهم في ثلاثة آلاف كما ذكرنا، فيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل.
وكان أول من برز من المشركين يومئذ أبو عامر الراهب، واسمه عبد عمرو بن صيفي.
وكان رأس الأوس في الجاهلية، وكان مترهبًا، فلما جاء الإسلام خذل فلم يدخل فيه، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة، فدعا عليه ﷺ، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ﷺ (ويحضهم على قتاله مع ما هم منطوون على رسول الله (وأصحابه من الحنق،
[ ١ / ١٤٦ ]
ووعد المشركين أنه يستميل لهم قومه من الأوس يوم اللقاء حتى يرجعوا إليهن فلما أقبل في عبدان أهل مكة والأحابيش تعرف إلى قومه فقالوا له: لا أنعم الله لك عينًا يا فاسق.
فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتل المسلمين قتالًا شديدًا.
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ (أمت أمت (وأبلى يومئذ أبو دجانة سماك بن خرشة، وحمزة عم رسول الله ﷺ، (أسد الله وأسد رسوله ﵁ وأرضاه (وكذا علي بن أبي طالب، وجماعة من الأنصار منهم: النضر بن أنس، وسعد بن الربيع ﵃ أجمعين.
وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزموا راجعين حتى وصلوا إلى نسائهم.
فلما رأى ذلك أصحاب عبد الله بن جبير قالوا: يا قوم، الغنيمة الغنيمة.
فذكرهم عبد الله بن جبير تقديم رسول الله ﷺ إليه في ذلك، فظنوا أن ليس للمشركين رجعة، وأنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، فذهبوا في طلب الغنيمة، وكر الفرسان من المشركين فوجدوا تلك الفرجة قد خلت من الرماة فجاوزوها وتمكنوا، وأقبل آخرهم، فكان ما أراد الله تعالى كونه، فاستشهد من أكرمهم الله بالشهادة من المؤمنين، فقتل جماعة من أفاضل الصحابة، وتولى أكثرهم.
وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرح في وجهه الكريم وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة على رأسه المقدس، ورشقه المشركون بالحجارة حتى وقع لشقه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق حفرها يكيد بها المسلمين، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله.
وكان الذي تولى أذى رسول الله ﷺ عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي
[ ١ / ١٤٧ ]
وقاص، وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري أبا جد محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شجه ﷺ.
وقتل مصعب بن عمير ﵁ بين يديه، فدفع ﷺ اللواء إلى علي بن أبي طالب ﵁، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه ﷺ، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح ﵁، وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه، فكان الهتم يزينه، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من جرحه ﷺ.
وأدرك المشركون النبي ﷺ فحال دونه نفر من المسلمين نحو من عشرة فقتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه ﷺ، وترس أبو دجانة سماك بن خرشة عليه ﷺ بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك ﵁، ورمى سعد بن أبي وقاص ﵁ يومئذ رميًا (مسددًا (منكئًا، فقال له رسول الله ﷺ: (ارم فداك أبي وأمي (.
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفري، فأتى رسول الله ﷺ فردها ﵊ بيده الكريمة، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.
وصرخ الشيطان - لعنه الله - بأعلى صوته: إن محمدًا قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وتولى أكثرهم، وكان أمر الله.
ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال:
[ ١ / ١٤٨ ]
ما تنتظرون؟ فقالوا قتل رسول الله ﷺ فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد، والله إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد، فقاتل حتى قتل ﵁، ووجدت به سبعون ضربة.
وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوا من عشرين جراحةً، بعضها في رجله، فعرج منها حتى مات ﵁.
وأقبل رسول الله ﷺ نحو المسلمين، فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك ﵁، فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ! فأشار إليه ﷺ أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصمة الأنصاري وغيرهم.
فلما أسندوا في الجبل، أدركه أبي بن خلف على جواد، يقال له العود، زعم الخبيث أنه يقتل رسول الله ﷺ، فلما اقترب تناول رسول الله ﷺ الحربة من (يد (الحارث بن الصمة فطعنه بها، فجاءت في ترقوته، ويكر عدو الله منهزمًا فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، إنه قال لي: إنه قاتلي، ولم يزل به ذلك حتى مات بسرف مرجعه إلى مكة لعنه الله.
[ ١ / ١٤٩ ]
وجاء علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بماء ليغسل عنه الدم، فوجده آجنًا، فرده.
وأراد ﷺ أن يعلو صخرة هناك، فلم يستطع لما به ﷺ، ولأنه ظاهر يومئذ بين درعين، فجلس طلحة تحته حتى صعد، وحانت الصلاة، فصلى جالسًا، ثم مال المشركون إلى رحالهم، ثم استقبلوا طريق مكة منصرفين إليها، وكان هذا كله يوم السبت.
واستشهد يومئذ من المسلمين نحو السبعين.
منهم حمزة عم رسول الله ﷺ، قتله وحشي مولى بني نوفل وأعتق لذلك، وقد أسلم بعد ذلك، وكان أحد قتلة مسيلمة الكذاب لعنه الله، وعبد الله بن جحش حليف بني أمية، ومصعب بن عمير، وعثمان بن عثمان، وهو شماس بن عثمان المخزومي، سني بشماس لحسن وجهه.
فهؤلاء أربعة من المهاجرين، والباقون من الأنصار ﵃ جميعهم، فدفنهم في دمائهم وكلومهم، ولم يصل عليهم يومئذ.
وفر يومئذ من المسلمين جماعة من الأعيان، منهم عثمان بن عفان ﵁، وقد نص الله سبحانه على العفو عنهم، فقال ﷿: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ .
[ ١ / ١٥٠ ]
وقتل يومئذ من المشركين اثنان وعشرون.
وقد ذكر سبحانه هذه الوقعة في سورة آل عمران حيث يقول: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم *﴾ الآيات.