يشتمل على ملخص غزوة الخندق التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين وزلزلهم، وثبت الإيمان في قلوب أوليائه وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم وقرعهم.
ثم أنزل نصره، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأعز
[ ١ / ١٦٣ ]
جنده، ورد الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شر كيدهم، وذلك بفضله ومنه.
وحرم عليهم شرعًا وقدرًا أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعل المغلوبين وجعل حزبه هم الغالبين، والحمد لله رب العالمين.
وكانت في سنة خمس في شوالها على الصحيح من قولي أهل المغازي والسير، والدليل على ذلك أنه لا خلاف أن أحدًا كانت في شوال من سنة ثلاث، وقد تقدم ما ذكره أهل العلم في المغازي أن أبا سفيان واعدهم العام المقبل بدرًا، وأنه ﷺ خرج إليهم فأخلفوه لأجل جدب تلك السنة في بلادهم، فتأخروا إلى هذا العام.
قال أبو محمد بن حزم الأندلسي في مغازيه: هذا قول أهل المغازي، ثم قال: والصحيح الذي لا شك فيه أنها في سنة أربع، وهو قول موسى بن عقبة، ثم احتج ابن حزم بحديث ابن عمر: [عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني] .
فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة فقط.
قلت: هذا الحديث مخرج في الصحيحين وليس يدل على ما ادعاه لأن مناط
[ ١ / ١٦٤ ]
إجازة الحرب كانت عنده ﷺ خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه، فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه، ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه، وليس ينفي هذا أن بلوغه قد زاد عليها بسنة أو بسنتين أو ثلاثًا أو أكثر من ذلك.
فكأنه قال: عرضت عليه يوم الخندق وأنا بالغ أو من أبناء الحرب.
وقد قيل: إنه كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة من عمره وفي يوم الخندق في آخر الخامسة عشرة، وفي هذا نظر، والأول أقوى في النظر لمن أمعن وأنصف، والله أعلم.
وكان سبب غزوة الخندق أن نفرًا من يهود بني النضير الذين أجلاهم ﷺ من المدينة إلى خيبر كما قدمنا وهم أشرافهم: كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع وغيرهم، خرجوا إلى قريش بمكة فألبوهم على حرب رسول الله ﷺ ووعدوهم من أنفسهم النصر، فأجابوهم، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فأجابوهم أيضًا، وخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن، كلهم في نحو عشرة آلاف
[ ١ / ١٦٥ ]
رجل.
فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم إليه أمر المسلمين بحفر خندق يحول بين المشركين وبين المدينة، وكان ذلك بإشارة سلمان الفارسي ﵁، فعمل المسلمون فيه مبادرين هجوم الكفار عليهم، وكانت في حفره آيات مفصلة يطول شرحها، وأعلام نبوة قد تواتر خبرها، فلما كمل قدم المشركون، فنزلوا حول المدينة كما قال تعالى: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ .
وخرج رسول الله ﷺ فتحصن بالخندق وهو في ثلاثة آلاف على الصحيح من أهل المدينة.
وزعم ابن إسحاق أنه إنما كان في سبعمائة.
وهذا غلط من غزوة أحد، والله تعالى أعلم.
فجعلوا ظهورهم إلى سلع.
وأمر ﷺ بالنساء والذراري، فجعلوا في آطام المدينة، واستخلف عليها ابن أم مكتوم ﵁.
وانطلق حيي بن أخطب النضري إلى بني قريظة، فاجتمع بكعب بن أسد رئيسهم، فلم يزل به حتى نقض العهد الذي كان بينه وبين رسول الله ﷺ، ووافق كعب المشركين على حرب رسول الله ﷺ، فسروا بذلك.
وبعث رسول الله ﷺ السعدين: ابن معاذ، وابن عبادة، وخوات بن جبير، وعبد الله بن رواحة، ليعرفوا له هل نقض بنو قريظة العهد أو لا، فلما
[ ١ / ١٦٦ ]
قربوا منهم وجدوهم مهاجرين بالعداوة والغدر، فتسابوا ونال اليهود - عليهم لعائن الله - من رسول الله ﷺ، فسبهم سعد بن معاذ، وانصرفوا عنهم.
وقد أمرهم ﷺ إن كانوا نقضوا أن لا يفتوا بذلك في أعضاد المسلمين، لئلا يورث وهنًا، وأن يلحنوا إليه لحنًا - أي لغزًا - فلما قدموا عليه، قال: ما وراءكم؟ قالوا: عضل والقارة، يعنون غدرهم بأصحاب الرجيع، فعظم ذلك على المسلمين، واشتد الأمر، وعظم الخطر، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ .
ونجم النفاق وكثر، واستأذن بعض بني حارثة رسول الله ﷺ في الذهاب إلى المدينة لأجل بيوتهم، قالوا: إنها عورة، وليس بينها وبين العدو حائل، وهم بنو سلمة بالفشل، ثم ثبت الله كلتا الطائفتين.
وثبت المشركون محاصرين رسول الله ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتال
[ ١ / ١٦٧ ]
لأجل ما حال الله به من الخندق بينه وبينهم، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم يمموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه وجازوه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع ودعوا للبراز، فانتدب لعمرو بن عبد ود علي بن أبي طالب ﵁ فبارزه فقتله الله على يديه وكان عمرو لا يجاري في الجاهلية شجاعة، وكان شيخًا قد جاوز المائة يومئذ، وأما الباقون فينطلقون راجعين إلى قومهم من حيث جاؤوا، وكان هذا أول ما فتح الله
به من خذلانهم.
وكان شعار المسلمين تلك الغزوة (حم، لا ينصرون (..
ولما طال هذا الحال على المسلمين أراد رسول الله ﷺ أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك ولم يتم الأمر حتى استشار ﷺ السعدين في ذلك فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف.
فقال ﷺ: (إ نما هو شيء أصنعه لكم (وصوب رأيهما في ذلك ﵄، ولم يفعل من ذلك شيئًا.
ثم إن الله سبحانه وله الحمد صنع أمرًا من عنده خذل به بينهم وفل جموعهم، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني ﵁ جاء إلى رسول الله
[ ١ / ١٦٨ ]
ﷺ وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال ﷺ: «إنما أنت رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» .
فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة - وكان عشيرًا لهم في الجاهلية - فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم.
قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن.
قالوا لقد أشرت بالرأي.
ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.
قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم.
ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.
فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غدًا نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهنًا، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحدًا فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم.
وأرسل الله ﷿ على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء.
فلما
[ ١ / ١٦٩ ]
رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك.
وأرسل ﷺ حديفة بن اليمان يخبر له خبرهم، فوجدهم كما وصفنا، ورأى أبا سفيان يصلي ظهره بنار، ولو شاء حذيفة لقتله، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ليلًا فأخبره برحيلهم.
[ ١ / ١٧٠ ]
فلما أصبح رسول الله ﷺ غدا إلى المدينة وقد وضع الناس السلاح فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أوضعتم السلاح؟ أما نحن فلم نضع أسلحتنا، انهض إلى هؤلاء، يعني بني قريظة.