وأما ملك هوازن وهو مالك بن عوف النصري فإنه حين انهزم جيشه دخل مع ثقيف حصن الطائف.
ورجع ﷺ من حنين فلم يدخل مكة حتى أتى الطائف فحاصرهم، فقيل: بضع وعشرون ليلة، وقيل:
بضعة عشرة ليلة.
قال
[ ١ / ٢٠٧ ]
ابن حزم وهو الصحيح بلا شك.
قلت: ما أدري من أين صحح هذا؟ بل كأنه أخذه من قوله ﷺ لهوازن حين أتوه مسلمين بعد ذلك: «لقد كنت استأنيت بكم عشرين ليلة» وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: فحاصرناهم أربعين يومًا - يعني ثقيفًا - فاستعصوا وتمنعوا، وقتلوا جماعة من المسلمين بالنبل وغيره.
وقد خرب ﷺ كثيرًا من أموالهم الظاهرة وقطع أعنابهم، ولم ينل منهم كبيرهم شيء، فرجع عنهم فأتى الجعرانة، فأتاه وفد هوازن هنالك مسلمين، وذلك قبل أن يقسم الغنائم، فخيرهم ﷺ بين ذراريهم وبين أموالهم، فاختاروا الذرية، فقال ﷺ: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم»، قال المهاجرون والأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وقومهما حتى أرضاهما وعوضهما ﷺ.
وأراد العباس بن مرداس السلمي أن يفعل كفعلهما، فلم توافقه بنو سليم، بل طيبوا ما كان لهم لرسول الله ﷺ، فردت الذرية على هوازن، وكانوا ستة آلاف، فيهم الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوزان، وهي أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فأكرمها وأعطاها، ورجعت إلى بلادها مختارةً لذلك، وقيل: كانت هوازن متوا إلى رسول الله ﷺ برضاعتهم إياه.
ثم قسم ﷺ بقيته على المسلمين، وتألف جماعةً من سادات قريش وغيرهم، فجعل يعطي الرجل المائة بعير، والخمسين، ونحو ذلك.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وفي صحيح مسلم عن الزهري أن رسول الله ﷺ أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل.
وعتب بعض الأنصار، فبلغه، فخطبهم وحدهم، وامتن عليهم بما أكرمهم الله من الإيمان به، وبما أغناهم الله به بعد فقرهم، وألف بينهم بعد العداوة التامة، فرضوا وطابت أنفسهم ﵃ وأرضاهم.
وطعن ذو الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص - فيما قيل - على النبي ﷺ في قسمته تلك، وصفح عنه ﷺ وحلم، بعد ما قال له بعض الأمراء: ألا نضرب عنقه؟ فقال: لا.
ثم قال: «إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم» .
واستعمل ﷺ مالك بن عوف النصري على من أسلم من قومه، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وامتدح رسول الله ﷺ في قصيدة ذكرها ابن إسحاق.
واعتمر ﷺ من الجعرانة ودخل مكة، فلما قضى عمرته ارتحل إلى المدينة، وأقام للناس الحج عامئذ عتاب بن أسيد ﵁، فكان أول من حج بالناس من أمراء المسلمين.
[ ١ / ٢٠٩ ]