نذكرفيه غزوة بني قريظة، فنهض ﷺ من وقته إليهم، وأمر المسلمين أن لا يصلي أحد صلاة العصر - وقد كان دخل وقتها - إلا في بني قريظة.
فراح المسلمون أرسالًا، وكان منهم من صلى العصر في الطريق، وقالوا: لم يرد رسول الله ترك الصلاة، إنما أراد تعجيل السير، وكان منهم من لم يصل حتى غربت الشمس، ووصل إلى بني قريظة، ولم يعنف ﷺ واحدًا من الفريقين.
قال ابن حزم: وهؤلاء هم المصيبون وأولئك مخطئون مأجورون، وعلم الله لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة ولو بعد أيام.
[ ١ / ١٧١ ]
قلت أما ابن حزم فإنه معذور لأنه من كبار الظاهرية، ولا يمكنه العدول عن هذا النص، ولكن في ترجيح أحد هذين الفعلين على الآخر نظر وذلك أنه ﷺ لم يعنف أحدًا من الفريقين، فمن يقول بتصويب كل مجتهد، فكل منهما مصيب ولا ترجيح، ومن يقول بأن المصيب واحد - وهو الحق لاشك فيه ولامرية، لدلائل من الكتاب والسنة كثيرة - فلا بد على قوله من أن أحد الفريقين له أجران بإصابة الحق، وللفريق الآخر أجر، فنقول وبالله التوفيق: الذين صلوا العصر في وقتها حازوا قصب السبق، لأنهم امتثلوا أمره ﷺ في المبادرة إلى الجهاد وفعل الصلاة في وقتها، ولا سيما صلاة العصر التي أكد الله سبحانه المحافظة عليها في كتابه بقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وهي العصر على الصحيح المقطوع به إن شاء الله من بضعة عشر قولًا، والتي جاءت السنة بالمحافظة عليها.
فإن قيل: كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزًا، كما أنه ﷺ أخر العصر والمغرب يوم الخندق واشتغل بالجهاد، والظهر أيضًا كما جاء في حديث رواه النسائي من طريقين، فالجواب أنه بتقدير تسليم هذا وأنه لم يتركها يومئذ نسيانًا، فقد تأسف على ذلك، «حيث يقول لما قال له عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال والله ما صليتها» وهذا يشعر بأنه
[ ١ / ١٧٢ ]
ﷺ كان ناسيًا لها لما هو فيه من الشغل، كما جاء في الصحيحين «عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا» .
والحاصل أن الذين صلوا العصر في الطريق جمعوا بين الأدلة، وفهموا المعنى فلهم الأجر مرتين، والآخرين
حافظوا على أمره الخاص، فلهم الأجر رضي الله عن جميعهم وأرضاهم.
وأعطى رسول الله ﷺ الراية علي بن أبي طالب ﵁، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا جرائد فيقاتلوا حتى يقتلوا عن آخرهم أو يخلصوا فيصيبوا بعد الأولاد والنساء، وإما أن يهجموا على رسول الله ﷺ وأصحابه يوم سبت حين يأمن المسلمون شرهم، فأبوا عليه واحدة منهن.
وكان قد دخل معهم في الحصن حيي بن أخطب حين انصرفت قريش، لأنه كان أعطاهم عهدًا بذلك حتى نقضوا العهد وجعلوا يسبون رسول الله ﷺ ويسمعون أصحابه بذلك، فأراد رسول الله ﷺ أن يخاطبهم، فقال له علي ﵁: لا تقرب منهم يا رسول الله - خشية أن يسمع منهم شيئًا - فقال: «لو قد رأوني لم يقولوا شيئًا»، فلما رأوه لم يستطع منهم أحد أن يتكلم بشيء.
ثم بعث ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر الأوسي، وكانوا حلفاء الأوس، فلما
[ ١ / ١٧٣ ]
رأوه قاموا في وجهه يبكون: رجالهم ونساؤهم، وقالوا: يا أبا لبابة كيف ترى لنا؟ أننزل على حكم محمد؟ قال: نعم فأشار بيده إلى حلقه، يعني أنه الذبح، ثم ندم على هذه الكلمة من وقته، فقام مسرعًا فلم يرجع إلى رسول الله ﷺ حتى جاء مسجد المدينة فربط نفسه بسارية المسجد وحلف لا يحله إلا رسول الله ﷺ بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدًا، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك قال: «دعوه حتى يتوب الله عليه» وكان من أمره ما كان حتى تاب الله عليه ﵁.
ثم إن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ.
فأسلم ليلتئذ ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بني هدل من بني عم قريظة والنضير، وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي، فانطلق، فلم يعلم أين ذهب وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد.
ولما نزلوا على حكمه ﷺ، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخوتنا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فقال: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلا.
قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ»، وكان سعد إذ ذاك قد أصابه جرح في أكحله، وقد ضرب له رسول الله ﷺ خيمةً في المسجد، ليعوده من قريب، فبعث إليه ﷺ فجيء به وقد وطؤوا له على حمار، وإخوته من الأوس حوله محيطون به، وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله
[ ١ / ١٧٤ ]
لومة لائم! ! فرجع رجال من قومه إلى بني عبد الأشهل فنعوا إليهم بني قريظة، فلما دنا من رسول الله ﷺ، قال: «قوموا إلى سيدكم» فقام إليه المسلمون، فقالوا: يا سعد، قد ولاك رسول الله ﷺ الحكم في بني قريظة، فقال: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم كما حكمت؟ قالوا: نعم.
قال: وعلى من هاهنا؟ وأشار إلى الناحية التي فيها رسول الله ﷺ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له، فقال رسول الله ﷺ: «نعم» .
فقال سعد: إني أحكم فيهم أن يقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» .
فأمر رسول الله ﷺ أن يقتل من أنبت منهم، ومن لم يكن أنبت ترك، فضرب أعناقهم في خنادق حفرت في سوق المدينة اليوم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وقيل: ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، ولم يقتل من النساء أحدًا سوى امرأة واحدة وهي بنانة امرأة الحكم القرظي، لأنها كانت طرحت على راس خلاد بن سويد رحى فقتلته لعنها الله.
وقسم أموال بني قريظة على المسلمين للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم،
[ ١ / ١٧٥ ]
وكان في المسلمين يومئذ ستة وثلاثون فارسًا.
ولما فرغ منهم استجاب الله دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ، وذلك أنه لما أصابه الجرح قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت رفعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها، ولا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة.
وكان ﷺ قد حسم جرحه فانفجر عليه فمات منه ﵁، وشيعه رسول الله ﷺ والمسلمون، وهو الذي اهتز له عرش الرحمن فرحًا بقدوم روحه ﵁ وأرضاه.
وقد استشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو العشرة ﵃ آمين.