ولما رجع ﷺ إلى المدينة أقام بها إلى المحرم من السنة السابعة، فخرج في آخره إلى خيبر، ونقل عن مالك بن أنس ﵀: أن فتح خيبر كان في سنة ست، والجمهور على أنها في سنة سبع، وأما ابن حزم فعنه أنها في سنة ست بلا شك، وذلك بناء على اصطلاحه، وهو أنه يرى أن أول السنين الهجرية شهر ربيع الأول الذي قدم فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرًا، ولكن لم يتابع عليه، إذا الجمهور على أن أول التاريخ من محرم تلك السنة، وكان أول من أرخ بذلك يعلى بن أمية باليمن، كما رواه الإمام أحمد بن حنبل عنه بإسناد صحيح
[ ١ / ١٨٨ ]
إليه، [وقيل: عمر بن الخطاب ﵁ وذلك في سنة ست عشرة كما بسط ذلك في موضع آخر] .
فسار ﷺ إليها، واستخلف على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي فلما انتهى إليها حاصرها حصنًا حصنًا يفتحه الله ﷿ عليه ويغنمه، حتى استكملها ﷺ وخمسها، وقسم نصفها بين المسلمين، وكان جملتهم من حضر الحديبية فقط، وأرصد النصف الآخر لمصالحه ولما ينوبه من أمر المسلمين.
واستعمل اليهود الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عوضًا عما كان صالحهم عليه من الجلاء على أن يعملوها ولرسول الله ﷺ النصف مما يخرج منها من ثمر أو زرع، وقد اصطفى ﷺ من غنائمها صفية بنت حيي بن أخطب لنفسه، فأسلمت، فأعتقها، وتزوجها، وبنى بها في طريق المدينة بعدما حلت.
«و
[ ١ / ١٨٩ ]
قد أهدت إليه امرأة من يهود خيبر - وهي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم - شاة مصلية مسمومة، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع أنه مسموم، فترك الأكل، ودعا باليهودية فاستخبرها: [أسممت هذه الشاة] فقالت: نعم، فقال: [ما أردت إلى ذلك]؟ فقالت: أردت إن كنت نبيًا لم يضرك، وإن كنت غيره استرحنا منك، فعفا عنها ﷺ.
وقيل: إن بشر بن البراء بن معرور كان ممن أكل منها، فمات، فقتلها به.
وقد روى ذلك أبو داود مرسلًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف» .
وقدم على النبي ﷺ في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفر بن أبي طالب وأصحابه ممن بقي مهاجرًا بأرض الحبشة، وصحبتهم أبو موسى الأشعري في جماعة من الأشعريين يزيدون على السبعين.
وقدم عليه أبو هريرة وآخرون ﵃ أجمعين، فأعطاهم ﷺ من المغانم كما أراه الله ﷿، «وقد قال ﷺ لجعفر: [لا أدري بأيهما أنا أسر، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر]؟» ولما قدم عليه قام وقبل ما بين عينيه.
وقد استشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلا ﵃ جميعهم.
[ ١ / ١٩٠ ]