نذكر فيه ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله ﷿ بها رسوله، وأقر عينه بها، وجعلها علما ظاهرًا على إعلاء كلمته وإكمال دينه والاعتناء بنصرته.
وذلك لما دخلت خزاعة - كما قدمنا - عام الحديبية في عقد رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وضربت المدة إلى عشر سنين، أمن الناس بعضهم بعضًا، ومضى من المدة سنة ومن الثانية نحو تسعة أشهر، فلم تكمل حتى غدا نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة فبيتوا
[ ١ / ١٩٥ ]
خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير، فاقتتلوا هناك بذحول كانت لبني بكر على خزاعة من أيام الجاهلية، وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح، وساعدهم بعضهم بنفسه خفية، وفرت خزاعة إلى الحرم فاتبعهم بنو بكر إليه، فذكر قوم نوفل نوفلًا بالحرم، وقالوا: اتق إلهك.
فقال لا إله له اليوم، والله يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تدركون فيه ثأركم؟ قلت: قد أسلم نوفل هذا بعد ذلك، وعفا الله عنه، وحديثه مخرج في الصحيحين ﵁.
وقتلوا من خزاعة رجلًا يقال له منبه، وتحصنت خزاعة في دور مكة، فدخلوا دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له: رافع، فانتفض عهد قريش بذلك.
فخر ج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي [وقوم من خزاعة] حتى أتوا رسول الله ﷺ فأعلموه بما كان من قريش واستنصروه عليهم، فأجابهم ﷺ وبشرهم بالنصر، وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكدًا العقد وأنه سيرده بغير حاجة.
فكان ذلك، وذلك أن قريشًا ندموا على ما كان منهم، فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم وبين محمد ﷺ ويزيد في الأجل، فخرج، فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة، فكتمه بديل ما كان من رسول الله ﷺ، وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة
[ ١ / ١٩٦ ]
فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسول الله ﷺ فمنعته، وقالت: إنك رجل مشرك نجس.
فقال: والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر.
ثم جاء رسول الله ﷺ فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه ﷺ بكلمة واحدة.
ثم ذهب إلى أبي بكر ﵁ فطلب منه أن يكلم رسول الله ﷺ فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر ﵁ فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟ ! والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به.
وجاء عليًا ﵁ فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بني ذلك، وما يجيل أحد على رسول الله ﷺ.
فأشار عليه علي ﵁ أن يقوم هو فيجير بين الناس، ففعل.
ورجع إلى مكة فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد - يعنون عليًا - أن لعب بك ٠
ثم شرع رسول الله ﷺ في الجهاز إلى مكة، وسأل الله ﷿ أن يعمي على قريش الأخبار، فاستجاب له ربه ﵎، ولذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة يعلمهم فيه بما هم به رسول الله ﷺ من القدوم على قتالهم وبعث به مع امرأة، وقد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه
[ ١ / ١٩٧ ]
﵀، وقبل ذلك منه رسول الله ﷺ وصدقه، لأنه كان من أهل بدر: وبعث رسول الله ﷺ عليًا والزبير والمقداد ﵃، فردوا تلك المرأة من روضة خاخ، وأخذوا منها الكتاب وكان هذا من إعلام الله ﷿ نبيه ﷺ بذلك ومن أعلام نبوته ﷺ.
وخرج ﷺ لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، وقد ألفت مزينة وكذا بنو سليم على المشهور ﵃ جميعهم.
واستخلف ﷺ على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين.
ولقيه عمه العباس بذي الحليفة، وقيل: بالجحفة فأسلم.
ورجع معه ﷺ، وبعث ثقله إلى المدينة.
ولما انتهى ﷺ إلى نيق العقاب جاءه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة مسلمين، فطردهما، فشفعت
[ ١ / ١٩٨ ]
فيهما أم سلمة، وأبلغته عنهما ما رقته عليهما، فقبلهما، فأسلما أتم إسلام ﵄، بعد ما كانا أشد الناس عليه ﷺ.
وصام ﷺ حتى بلغ ماء يقال له: الكديد، بين عسفان وأمج من طريق مكة، فأفطر بعد العصر على راحته ليراه الناس، وأرخص للناس في الفطر، ثم عزم عليهم في ذلك، فانتهى ﷺ حتى نزل بمر الظهران فبات به.
وأما قريش فعمى الله عليها الخبر، إلا أنهم قد خافوا وتوهموا من ذلك، فلما كانت تلك الليلة خرج ابن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام يتجسسون الخبر، فلما رأوا النيران أنكروها، فقال بديل: هي نار خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل من ذلك.
وركب العباس بغلة رسول الله ﷺ ليلتئذ، وخرج من الجيش لعله يلقى أحدًا، فلما سمع أصواتهم عرفهم، فقال: أبا حنظلة! فعرفه أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ قال نعم.
قال ما وراءك؟ قال ويحك.. هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش! ..
قال: فما الحيلة؟ قال والله لئن ظفر بك ليقتلنك، ولكن اركب ورائي وأسلم.
فركب وراءه وانطلق به، فمر في الجيش كلما أتى على قوم يقولون: هذا عم رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله ﷺ، حتى مر بمنزل عمر بن الخطاب ﵁، فلما رآه قال: عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد.
ويركض العباس البغلة، ويشتد عمر ﵁ في جريه، وكان بطيئًا، فسبقه العباس، فأدخله على رسول الله ﷺ، وجاء عمر في أثره، فاستأذن رسول الله ﷺ في ضرب عنقه، فأجاره العباس مبادرة، فتقاول هو
[ ١ / ١٩٩ ]
وعمر بن الخطاب ﵄، فأمره ﷺ أن يأتيه به غدًا، فلما أصبح أتى به رسول الله ﷺ، فعرض عليه الإسلام فتلكأ قليلًا، ثم زجره العباس فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الشرف، فقال ﷺ «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» .
قال ابن حزم: هذا نص في أنها فتحت صلحًا لا عنوة.
قلت: هذا أحد أقوال العلماء وهو الجديد من مذهب الشافعي.
واستدل على ذلك أيضًا بأنها لم تخمس ولم تقسم.
والذين ذهبوا إلى أنها فتحت عنوة استدلوا بأنهم قد قتلوا من قريش يومئذ عند الخندمة نحوًا من عشرين رجلًا، واستدلوا بهذا اللفظ أيضًا: [فهو آمن] والمسألة يطول تحريرها ها هنا.
وقد تناظر الشيخان في هذه المسألة - أعني تاج الدين الفزاري، وأبا ز كريا النووي - ومسألة قسمة الغنائم.
[ ١ / ٢٠٠ ]
والغرض أنه ﷺ أصبح يومه ذلك سائرًا إلى مكة، وقد أمر ﷺ العباس أن يوقف أبا سفيان عند خطم الجبل، لينظر إلى جنود الإسلام إذا مرت عليه.
وقد جعل ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ على المقدمة، وخالد بن الوليد ﵁ على الميمنة، والزبير بن العوام ﵁ على الميسرة، ورسول الله ﷺ في القلب، وكان أعطى الراية سعد بن عبادة ﵁، فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مر عليه: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - والحرمة هي الكعبة - فلما شكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: «بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة» .
فأمر بأخذ الراية من سعد فتعطى عليًا، وقيل: الزبير، وهو الصحيح.
وأمر ﷺ الزبير أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأن تنصب رايته بالحجون، وأمر خالدًا أن يدخل من كدى من أسفل مكة، وأمرهم بقتال من قاتلهم.
وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، قد جمعوا جمعًا بالخندمة، فمر بهم خالد بن الوليد فقاتلهم، فقتل من المسلمين ثلاثة وهم: كرز بن جابر من بني محارب بن فهر، وحبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي، وسلمة بن الميلاء الجهني، ﵃.
وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلًا، وفر بقيتهم.
ودخل رسول الله ﷺ مكة وهو راكب على ناقته وعلى رأسه المغفر، ورأسه يكاد يمس مقدمة الرحل من تواضعه لربه ﷿.
وقد أمن ﷺ الناس إلا
[ ١ / ٢٠١ ]
عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيذ، وقينتين لابن خطل، وهما فرتنا وصاحبتها، وسارة مولاة لبني عبد المطلب، فإنه ﷺ أهدر دمائهم، وأمر بقتلهم حيث وجدوا، حتى ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل، وهو متعلق بالأستار، ومقيس ابن صبابة، والحويرث بن نقيذ، وإحدى القينتين، وآمن الباقون.
ونزل ﷺ مكة واغتسل في بيت أم هانئ وصلى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى.
وقيل: صلاة الفجر.
قال السهيلي: وقد صلاها سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى، إلا أنه صلى ثماني ركعات بتسليم واحد.
وليس كما قال، بل يسلم من كل ركعتين كما رواه أبو داود.
وخرج ﷺ إلى البيت فطاف به طواف قدوم، ولم يسع، ولم يكن معتمرًا.
ودعا بالمفتاح، فدخل البيت وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذن بلال يومئذ على ظهر الكعبة، ثم رد
ﷺ المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.
وأقرهم على السدانة.
وكان الفتح لعشر بقين من رمضان.
«و
[ ١ / ٢٠٢ ]
استمر ﷺ مفطرًا بقية الشهر يصلي ركعتين، ويأمر أهل مكة أن يتموا»، كما رواه النسائي بإسناد حسن عن عمران بن حصين ﵁، وخطب ﷺ الغد من يوم الفتح فبين حرمة مكة وأنها لم تحل لأحد قبله ولا تحل لأحد بعده، وقد أحلت له ساعة من نهار، وهي غير ساعته تلك حرام.
وبعث ﷺ السرايا إلى من حول مكة من أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام، وكان في جملة تلك البعوث بعث خالد إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد حين دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فوداهم رسول الله ﷺ وتبرأ من صنيع خالد بهم.
وكان أيضًا في تلك البعوث بعث خالد أيضًا إلى العزى، وكان بيتًا تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، فدمرها ﵁ من إمام وشجاع.
وكان عكرمة بن أبي جهل قد هرب إلى اليمن، فلحقته امرأته وهي مسلمة وهي أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فردته بأمان رسول الله ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه، وكذا صفوان بن أمية كان قد فر إلى اليمن، فتبعه صاحبه في الجاهلية عمير بن وهب بأمان رسول الله ﷺ، فرده، وسيره ﷺ أربعة أشهر، فلم تمض حتى أسلم وحسن إسلامه ﵁.
[ ١ / ٢٠٣ ]