ولما أراد الله تعالى رحمة العباد، وكرامته بإرساله إلى العالمين، حبب إليه الخلاء، فكان يتحنث في غار حراء، كما كان يصنع ذلك متعبدو ذلك الزمان، كما قال أبو طالب في قصيدته المشهورة اللامية:
وثور ومن أرسى ثبيرًا مكانه وراق لبر في حراء ونازل
[ ١ / ٩٥ ]
ففجأه الحق وهو بغار حراء في رمضان، وله من العمر أربعون سنة، «فجاءه الملك فقال له أقرأ، قال لست بقارىء، فغته حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له: اقرأ، قال: لست بقارئ ثلاثًا ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ .
فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره، فأخبر بذلك خديجة رضي الله تعالى عنها، وقال: قد خشيت بها على عقلي، فثبتته وقالت: أبشر كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر»
في أوصاف أخر جميلة عددتها من أخلاقه ﷺ
[ ١ / ٩٦ ]
وتصديقًا منها له وتثبيتًا وإعانة على الحق، فهي أول صديق له رضي الله تعالى عنها وأكرمها.
ثم مكث رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يمكث لا يرى شيئًا، وفتر عنه الوحي، فاغتنم لذلك وذهب مرارًا ليتردى من رؤوس الجبال، وذلك من شوقه إلى ما رأى أول مرة، من حلاوة ما شاهده من وحي الله [إليه]، فقيل: إن فترة الوحي كانت قريبًا من سنتين أو أكثر، ثم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسي، وثبته، وبشره بأنه رسول الله حقًا، فلما رآه رسول الله ﷺ فرق منه وذهب إلى خديجة وقال: زملوني.
دثروني.
فأنزل الله عليه ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر﴾ .
وكانت الحال الأولى حال نبوة وإيحاء، ثم أمره الله في هذه الآية أن ينذر قومه ويدعوهم إلى الله، فشمر ﷺ عن ساق التكليف، وقام في طاعة الله أتم قيام، يدعوا إلى الله سبحانه الكبير والصغير، والحر والعبد، والرجال والنساء، والأسود والأحمر، فاستجاب له عباد الله من كل قبيلة وكان حائز سبقهم أبو بكر ﵁، عبد الله بن عثمان التيمي وآزره
[ ١ / ٩٧ ]
في دين الله، ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر عثمان بن عفان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص.
وأما علي فأسلم صغيرًا ابن ثماني سنين، وقيل: أكثر من ذلك وقيل: كان إسلامه قبل إسلام أبي بكر، وقيل: لا، وعلى كل حال، فإسلامه ليس كإسلام الصديق، لأنه كان في كفالة رسول الله ﷺ أخذه من عمه إعانة له على سنة محل.
وكذلك أسلمت خديجة، وزيد بن حارثة.
وأسلم القس ورقة بن نوفل فصدق بما وجد من وحي الله، وتمنى أن لو كان جذعًا، وذلك أول ما نزل الوحي، وقد روى الترمذي: «أن رسول الله ﷺ رآه في المنام في هيئة حسنة، وجاء في حديث أن رسول الله ﷺ قال: [رأيت القس عليه ثياب بيض]» وفي الصحيحين أنه قال: هذا الناموس الذي جاء موسى بن عمران.
لما ذهبت خديجة به إليه، فقص عليه رسول الله ﷺ ما رأى من أمر جبريل ﵇.
[ ١ / ٩٨ ]
ودخل من شرح بن صدره للإسلام على نور وبصيرة ومعاينة فأخذهم سفهاء مكة بالأذى والعقوبة، وصان الله رسوله وحماه بعمه أبي طالب، لأنه كان شريفًا مطاعًا فيهم، نبيلًا بينهم، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر محمد ﷺ لما يعلمون من محبته له، وكان من حكمة الله بقاؤه على دينهم لما في ذلك من المصلحة، هذا رسول الله يدعو إلى الله ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا لا يصده عن ذلك صاد ولا يرده عنه راد، ولا يأخذه في الله لومة لائم.