ولم يبق (بمكة (من المسلمين إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما أقاما بأمره لهما، وخلا من اعتقله المشركون كرهًا، وقد أعد أبو بكر ﵁ جهازه وجهاز رسول الله ﷺ، منتظرًا حتى يأذن الله ﷿ لرسوله ﷺ في الخروج.
فلما كانت ليلة هم المشركون بالفتك برسول الله ﷺ، وأرصدوا على الباب أقوامًا، إذا خرج عليهم قتلوه، فلما خرج عليهم لم يره منهم أحد، وقد جاء في حديث أنه ذر على رأس كل واحد من هم ترابًا ثم خلص إلى بيت أبي بكر ﵁، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا، وقد استأجرا عبد الله بن أريقط، وكان هاديًا خريتًا، ماهرًا بالدلالة إلى أرض المدينة، وأمناه على ذلك مع أنه كان على دين قومه، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فلما حصلا في الغار عمى الله على قريش خبرهما، فلم يدروا أين ذهبا.
[ ١ / ١١٤ ]
وكان عامر بن فهيرة، يريح عليهما غنمًا لأبي بكر، وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إلى الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقال بمكة ثم يذهب إليهما بذلك فيحترزان منه.
وجاء المشركون في طلبهما إلى ثور، وما هناك من الأماكن، حتى إنهم مروا على باب الغار، وحازت أقدامهم رسول الله ﷺ وصاحبه، وعمى الله عليهم باب الغار، ويقال - والله أعلم - إن العنكبوت سدت على باب الغار، وإن حمامتين عششتا على بابه، وذلك تأويل قوله تعالى ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ وذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لشدة حرصه بكى حين مر المشركون، وقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر موضع قدميه لرآنا، فقال له النبي ﷺ: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» .
ولما كان بعد الثلاث أتى ابن أريقط بالراحلتين فركباهما، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الديلي أمامهما على راحلته.
وجعلت قريش لمن جاء بواحد من محمد ﷺ وأبي بكر ﵁ مائةً من الإبل، فلما مروا بحي مدلج، بصر بهم سراقة بن مالك بن جعشم، سيد مدلج، فركب جواده وسار في طلبهم، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي ﷺ،
[ ١ / ١١٥ ]
وأبو بكر ﵁ يكثر الالتفات حذرًا على رسول الله ﷺ، وهو ﷺ لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا.
فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض فقال: رميت، إن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول الله ﷺ فأطلق، وسأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتابًا، فكتب له أبو بكر في أدم، ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ههنا.
وقد جاء مسلمًا عام حجة الوداع ودفع إلى رسول الله ﷺ الكتاب الذي كتبه له، فوفى له رسول الله ﷺ بما وعده وهو لذلك أهل.
ومر رسول الله ﷺ في مسيره ذلك بخيمة أم معبد فقال عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبنًا كثيرًا في سنة مجدبة ما بهر العقول، ﷺ.
[ ١ / ١١٦ ]