ومن الأطعمة قال بعض الأصحاب: كان يحرم عليه أكل البصل والثوم والكراث، ومستند ذلك ما أخرجه «عن جابر أن النبي ﷺ: أتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فقال لبعض أصحابه: [كلوا] فلما رآه كره أكلها، قال: [كل فإني أناجي من لا تناجي]» وقد يشكل على هذا القائل ما حكاه الترمذي عن علي وشريك بن حنبل: أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثوم النيء.
والصحيح الذي عليه الجادة: أن ذلك ليس حرامًا عليه، بل كان أكل ذلك
[ ١ / ٣١٩ ]
مكروها في حقه، والدليل على ذلك ما رواه مسلم «عن أبي أيوب أنه: صنع لرسول الله ﷺ طعامًا فيه ثوم، فرده ولم يأكل منه، فقال له: أحرام هو؟ فقال: [لا، ولكني أكرهه] فقال: إني أكره ما كرهت» .
قال الشيخ أبو عمرو: وهذا يبطل وجه التحريم.
والله تعالى أعلم.
مسألة:
ومثل ذلك الضب، قال ﷺ: «لست بآكله ولا محرمه» أي على الناس، وإنما أمسك عن أكله تقذرًا.
وقد قال له خالد: يا رسول الله، أحرام؟ قال: «لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه» .
وهكذا يكره لكل من كره أكل شيء أن يأكله، لما روى أبو داود «عنه ﷺ أنه قال: إن من القرف التلف»، وقد كره الأطباء ذلك، لما يؤدي إليه من سوء المزاج.
والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٢٠ ]
مسألة:
وروى البخاري «عن أبي جحيفة أن رسول الله ﷺ قال: أما أنا فلا آكل متكئًا»، فقال بعض أصحابنا: إن ذلك كان حرام عليه.
قال النووي: والصحيح أنه كان مكروهًا في حقه لا حرامًا.
قلت: فعلى هذا لا يبقى من باب الخصائص، فإنه يكره لغيره أيضًا الأكل متكئًا، سواء فسر الاتكاء بالاضطجاع - كما هو المتبادرإلى أفهام كثيرين، لما يحصل به من الأذى، كما نهي عن الشرب قائمًا - أم بالتربع كما فسره الخطابي وغيره من أهل اللغة، وهو الصحيح عند التأمل وإنعام النظر، لما فيه من التجبر والتعاظم، والله تعالى أعلم.
مسألة:
قال أبو العباس بن القاص: ونهي عن الطعام الفجأة، وقد فاجأه أبو الدرداء على طعامه فأمره بأكله، وكان ذلك خاصًا له ﷺ، قال البيهقي: لا أحفظ النهي عن طعام الفجأة من وجه يثبت، ثم أورد حديث أبي داود من
[ ١ / ٣٢١ ]
رواية درست بن زياد، عن أبان بن طارق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: [من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة فقد دخل سارقًا، وخرج مغيرًا] .
مسألة:
قالوا: وكان يجب على من طلب منه طعامًا ليس عنده غيره أن يبذله له، صيانةً لمهجة النبي ﷺ، ووقاية لنفسه الكريمة بالأموال والأرواح، لقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ .
قلت: ويشبه هذا الحديث الحديث الذي في الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» .
مسألة
روى البخاري «عن الصعب بن جثامة مرفوعًا: [لا حمى إلا لله ورسوله]» .
قال بعض أصحابنا: هو مختص به.
وقال بعضهم: بل يجوز لغيره
[ ١ / ٣٢٢ ]
لمصلحة، كما حمى رسول الله ﷺ النقبع، وحمى عمر ﵁ السرف والربذة، إلا ما حماه رسول الله ﷺ لا يجوز تغييره بحال.
ومن ذلك الهبة
مسألة:
كان يقبل الهدية ويثيب عليها، ثبت ذلك في الصحيح عن عائشة ﵂، وما ذاك إلا لما يرجو من تأليف قلب من يهدي إليه، بخلاف غيره من الأمراء، فإنه قد صح الحديث أن هدايا العمال غلول، لأنها في حقهم
[ ١ / ٣٢٣ ]
كالرشى لوجود التهمة، والله تعالى أعلم.
مسألة:
قال زكريا بن عدي حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن ابن عطاء - قال زكريا: أراه عمر - عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله﴾ قال: هو الربا الحلال، أن يهدي يريد أكثر منه، فلا أجر فيه ولا وزر.
ونهي عن النبي ﷺ خاصة: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ .
رواه البيهقي عن الحاكم.
وغيره عن الأصم، عن محمد بن
[ ١ / ٣٢٤ ]
إسحاق، عن زكريا.
وهو أثر منقطع، إن كان عمو بن عطاء هو ابن وراز، وهو ضعيف أيضًا، وإن كان ابن أبي الخوار فقد روى له مسلم، وقد روى عن ابن عباس، ولكن الأمر فيه مبهم.