فمن ذلك الضحى والوتر، لما رواه الإمام أحمد في مسنده، والبيهقي، من حديث أبي جناب الكلبي - واسمه يحي بن أبي حية - «عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: ثلاث هن علي فرائض، وهي لكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الضحى» .
اعتمد جمهور الأصحاب على هذا الحديث في هذه الثلاث، فقالوا بوجوبها.
قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح رحمه الله تعالى: [تردد الأصحاب في
[ ١ / ٣٠٧ ]
وجوب السواك عليه، وقطعوا بوجوب الضحى والأضحى والوتر عليه، مع أن مستنده الحديث الذي ذكرنا ضعفه، ولو عكسوا فقطعوا بوجوب السواك عليه وترددوا في الأمور الثلاثة لكان أقرب، ويكون مستند التردد فيها أن ضعفه من جهة ضعف راويه أبي جناب الكلبي، وفي ضعفه خلاف بين أئمة الحديث، وقد وثقه بعضهم، والله أعلم] .
قلت: جمهور أئمة الجرح والتعديل على ضعفه.
وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في الثلاثة المذكورة ترددًا لبعض الأصحاب، وأن منهم من ذهب إلى استحبابها في حقه ﷺ.
وهذا القول أرجح لوجوه:
ـ أحدها: أن مستند ذلك هذا الحديث، وقد علمت ضعفه، وقد روي من وجه آخر في حديث مندل بن علي العنزي وهو أسوأ حالًا من أبي جناب.
ـ والثاني: أن الوتر قد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: أنه كان
[ ١ / ٣٠٨ ]
ﷺ يصليه على الراحلة.
وهذا من حجتنا على الحنفية في عدم وجوبه، لأنه لو كان واجبًا لما فعله على الراحلة، فدل على أن سبيله المندوب، والله أعلم.
وأما الضحى فقد جاء عن عائشة ﵂ في الصحيح أنه كان لا يصلي الضحى إلا يقدم من مغيبه.
فلو كانت واجبة في حقه لكان أمر مداومته عليها أشهر من أن ينفى.
وما في هذا الحديث الآخر أنه كان يصليها ركعتين، ويزيد ما شاء الله، فمحمول على أنه يصليها كذلك إذا صلاهاو قد قدم من مغيبه، جمعًا بين الحديثين والله أعلم.
مسألة:
وأما قيام الليل - وهو التهجد - فهو الوتر على الصحيح، لما رواه الإمام أحمد «عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: الوتر ركعة من آخر الليل» وإسناده جيد.
وإذا تقرر ذلك فاعلم أنه قد قال جمهور الأصحاب: إن التهجد كان واجبًا عليه، وتمسكوا بقول الله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ .
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال عطية بن سعيد العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿نافلة لك﴾: يعني بالنافلة أنها للنبي ﷺ خاصة، أمر بقيام الليل فكتب عليه.
وقال عروة، «عن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» رواه مسلم عن هارون بن معروف، عن عبد الله بن وهب، عن أبي صخر، عن ابن قسيط، عن عروة به.
وأخرجاه من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة.
وروى البيهقي «من حديث موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: ثلاثة علي فريضة وهن سنة لكم: الوتر، والسواك، وقيام الليل» .
ثم قال: موسى بن عبد الرحمن هذا، ضعيف جدًا، ولم يثبت في هذا إسناد، والله أعلم.
وحكى الشيخ أبو حامد رحمه الله تعالى، عن الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى: أن قيام الليل نسخ في حقه ﷺ كما نسخ في حق الأمة، فإنه كان واجبًا في ابتداء الإسلام على الأمة كافة.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح:
[ ١ / ٣١٠ ]
وهذا هو الصحيح الذي تشهد له الأحاديث، منها حديث سعد بن هشام عن عائشة، وهو في الصحيح معروف.
وكذا قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى.
قلت: والحديث الذي أشار إليه رواه مسلم من حديث هشام بن سعد أنه دخل على عائشة أم المؤمنين فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ بيا أيها المزمل؟ قلت: بلى.
قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عش شهرًا في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة.
وقد أشار الشافعي إلى الاحتجاج بهذا الحديث في النسخ، ومن قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ قال: فأعلمه أن قيام الليل نافلة لا فريضة، والله ﷾ أعلم.
مسألة:
وفاتته ركعتان بعد الظهر فصلاهما بعد العصر وأثبتهما، وكان يداوم عليهما كما ثبت ذلك في الصحيح.
وذلك من خصائصه ﷺ على أصح الوجهين عند أصحابنا.
وقيل: بل لغيره إذا اتفق له ذلك أن يداوم لله عليهما.
والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣١١ ]
مسألة:
وكانت صلاته النافلة قاعدًا كصلاته قائمًا إن لم يكن له عذر بخلاف غيره فإنه على النصف من ذلك، واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم «عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حدثت أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة.
فأتيته فوجدته يصلي جالسًا فوضعت يدي على رأسه فقال مالك يا عبد الله بن عمرو؟ فقلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعدًا! فقال: أجل.
ولكن لست كأحد منكم» .
مسألة:
وكان يجب على المصلي إذا دعاه رسول الله ﷺ أن يجيبه، لحديث أبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري وليس هذا لأحد سواه، اللهم إلا ما حكاه الأوزاعي عن شيخه مكحول أنه كان يوجب إجابةالوالدة في الصلاة،
[ ١ / ٣١٢ ]
لحديث جريج الراهب: أنه دعته أمه وهو قائم يصلي فقال: اللهم أمي وصلاتي، ثم مضى في صلاته.
فلما كانت المرة الثانية فعل مثل ذلك، ثم الثالثة فدعت عليه، فاستجاب الله منها فيه، وكان من قصته ما ذكر في صحيح البخاري وغيره، وقد حكي مقررًا ولم ينكر.
والجمهور على أن ذلك لا يجب بل لا يصلح في الصلاة شيء من كلام الناس، للحديث الصحيح، اللهم إلا ما جوزه الإمام أحمد من مخاطبة الإمام بما ترك من آخر الصلاة لحديث ذي اليدين.
والله أعلم.
مسألة:
وكان لا يصلي على من مات وعليه دين لا وفاء له، أخرجه البخاري في صحيحه ثلاثيًا عن سلمة بن الأكوع، لكن اختلف أصحابنا: هل كان يحرم عليه أويكره؟ على وجهين، ثم نسخ ذلك بقوله: «من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي» فقيل: كان يقضيه عنه وجوبًا، وقيل: تكرمًا.
[ ١ / ٣١٣ ]
ومن ذلك أنه كان إذا دعا لأهل القبور يملؤها الله عليهم نورًا ببركة دعائه صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂
ومن ذلك أنه مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فوضع على كل قبر شقة، ثم قال: لعل الله يخفف عنهما ما لم ييبسا» .
أخرجاه عن ابن عباس.
مسألة:
ومن ذلك «أنه ﷺ وعك في مرضه وعكًا شديدًا فدخل عليه عبد الله بن مسعود فقال: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال: أجل إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم، قلت: لأن لك أجرين؟ قال: نعم» .
رواه الشيخان.
مسألة:
ولم يمت ﷺ حتى خيره الله تعالى بين أن يفسح له في أجله ثم الجنة، وإن
[ ١ / ٣١٤ ]
أحب لقي الله سريعًا، فاختار ما عند الله على الدنيا وذلك ثابت في الصحيحين عن عائشة ﵂.
مسألة:
ومن ذلك أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، والدليل عليه حديث شداد بن أوس، وهو في السنن، وقد صححه بعض الأئمة.