فمن ذلك أنه كان قد أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك، ومستنده «ما رواه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكذل صلاة.
» .
أخرجه أبو داود.
فالظاهر من هذا أنه أوجب عليه السواك، وهو الصحيح عند الأصحاب، قاله أبو زكريا، ومال إلى قوته الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد «عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه سينزل علي به قرآن أو وحي» .
«وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على أضراسي» رواه البيهقي، وقال:
[ ١ / ٣٠٠ ]
البخاري: هذا حديث حسن.
«وقال عبد الله بن وهب: حدثنا يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب عبد الله، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال: لقد لزمت السواك حتى تخوفت أن يدردني» .
رواه البيهقي، وفيه انقطاع بين المطلب وعائشة، فيشكل على هذا ما رواه الإمام أحمد «عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي»، ولهذا قال بعض أصحابنا: إنه لم يكن واجبًا عليه بل مستحبًا.
ومن ذلك أنه كان لا ينتقض وضوؤه بالنوم، ودليله حديث ابن عباس في الصحيحين أنه ﷺ نام حتى نفخ، ثم جاءه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ وسببه ما ذكر في حديث عائشة ﵂ أنها سألته فقالت: يا رسول الله تنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة، تنام عيناي ولا ينام قلبي» أخرجاه.
واختلفوا: هل كان ينتقض وضوؤه بمس النساء؟ على وجهين،
[ ١ / ٣٠١ ]
والأشهر منهما الإنتقاض.
وكأن مأخذ من ذهب إلى عدم الانتقاض حديث عائشة في صحيح مسلم: أنها افتقدت رسول الله ﷺ في المسجد، فوقعت يدها عليه وهو ساجد، وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كماأثنيت على نفسك» وجاء من غير وجه عنها: أن رسول الله ﷺ كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأو كان هذا القائل ذهب إلى تخصيص ذلك به ﷺ، ولكن الخصوم لا يقنعون منه بذلك، بل يقولون: الأصل في ذلك عدم التخصيص إلا بدليل.
مسألة:
هل كان يحتلم؟ على وجهين:
صحح النووي المنع، ويشكل عليه حديث عائشة في الصحيحين: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من غير جماع، غيراحتلام، ثم يغتسل ويصوم.
والأظهر في هذا التفصيل، وهو أن يقال: إن أريد بالاحتلام فيض من البدن، فلا مانع من هذا، وإن أريد به ما يحصل من تخبط الشيطان، فهو
[ ١ / ٣٠٢ ]
معصوم من ذلك ﷺ.
ولهذا لا يجوز عليه الجنون ويجوز عليه الإغماء، بل قد أغمي عليه في الحديث الذي روته عائشة ﵂ في الصحيح، وفيه أنه اغتسل من الإغماء غير مرة، والحديث مشهور.
ومن ذلك ماذكره أبو العباس بن القاص أنه لم يكن يحرم عليه المكث في المسجد وهو جنب واحتجبوا بما رواه الترمذي من حديث سالم بن أبي حفصة «عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: يا علي، لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» .
قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع البخاري مني هذا الحديث.
قلت: عطية ضعيف الحديث.
قال البيهقي: غير محتج به، وكذا الرواي عنه ضعيف.
وقد حمله ضرار بن صرد على الاستطراق، كذا حكاه الترمذي عن شيخه علي بن المنذر الطريقي عنه، وهذا مشكل، لأن الاستطراق يجوز للناس فلا تخصيص فيه، اللهم إلا أن يدعى أنه لا يجوز الاستطراق في المسجد النبوي لأحد
[ ١ / ٣٠٣ ]
من الناس سواهما، ولهذا قال: «لايحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» .
والله أعلم.
وقال محدوج الذهلي، «عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قالت: دخل النبي ﷺ صرحة هذا المسجد فقال: ألا لا يحل هذا المسجد لجنب ولا لحائض، إلا لرسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بينت لكم الأسماء أن تضلوا» .
رواه ابن ماجه والبيهقي، وهذا لفظه، قال البخاري: محدوج عن جسرة فيه نظر.
ثم رواه البيهقي من وجه آخر عن إسماعيل بن أمية، عن جسرة عن أم سلمة مرفوعًا نحوه.
ولا يصح شيء من ذلك، ولهذا قال القفال من أصحابنا: أن ذلك لم يكن من خصائصه ﷺ وغلط إمام الحرمين أبا العباس بن القاص في ذلك.
والله أعلم.
ومن ذلك طهارة شعره ﷺ، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس أنه ﷺ: لما حلق شعره في حجته أمر أبا طلحة يفرقه على الناس.
وهذا إنما يكون
[ ١ / ٣٠٤ ]
من الخصائص إذا حكمنا بنجاسه شعر من سواه، المنفصل عنه في حال الحياة، وهو أحد الوجهين.
فأما الحديث الذي رواه ابن عدي من رواية ابن أبي فديك، «عن بريه بن عمر بن سفينة، عن أبيه عن جده، قال: احتجم النبي ﷺ ثم قال لي: خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير.
أو قال: الناس والدواب» .
شك ابن أبي فديك، قال: فتغيبت به فشربته.
قال: ثم سألني، فأخبرته أني شربته، فضحك.
فإنه حديث ضعيف لحال بريه هذا واسمه إبراهيم، فإنه ضعيف جدًا.
وقد رواه البيهقي من طريق أخرى فقال: «أخبرنا أبو الحسن بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا موسى بن إسماعيل - أبوسلمة - حدثنا عبيد بن القاسم سمعت ابن عبد الله بن الزبير يحدث عن أبيه قال: احتجم النبى ﷺ وأعطاني دمه فقال: اذهب فواره، لايبحث عنه سبع أو كلب أو إنسان قال: فتنحيت فشربته، ثم أتيته فقال: ما صنعت؟ قلت صنعت الذي أمرتني.
قال: ما أراك إلا قد شربته.
قلت: نعم.
قال: ماذا تلقى أمتي منك؟ !» .
وهذا إسناد ضعيف لحال عبيد بن القاسم الأسدي الكوفي، فإنه متروك الحديث، وقد كذبه يحيى بن معين، لكن قال البيقهي: روي ذلك من وجه آخر عن أسماء
[ ١ / ٣٠٥ ]
بنت أبي بكر وسلمان الفارسي في شرب ابن الزبير دمه ﷺ.
قلت: فلهذا قال بعض أصحابنا بطهارة سائر فضلاته ﷺ حتى البول والغائط من وجه غريب، واستأنسوا في ذلك لما رواه البيهقي «عن أبي نصر بن قتادة، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن حامد العطار، حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدثنا يحيى بن معن، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرتني حكيمة بنت أميمة، عن أميمة أمها: أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، [فبال فيه ووضع تحت سريره]، فجاء فأراده، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها
[ ١ / ٣٠٦ ]
بركة كانت تخدم لأم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: [أين البول الذي كان في هذا القدح؟] قالت شربته يارسول الله» .
هكذا رواه، وهو إسناد مجهول، فقد أخرجه أبو داود والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريح، وليس فيه قصة بركة.