مسألة:
وأزواجه أفضل نساء الأمة لتضعيف أجرهن، بخلاف غيرهن، ثم أفضلهن
[ ١ / ٣٣٣ ]
خديجة وعائشة.
قال أبو سعيد المتولي: واختلف أصحابنا أيتهما أفضل من سائر الصحابة، حتى من أبي بكر الصديق ﵁، قول لم يسبقه إليه أحد، وهو أضعف الأقوال.
مسألة:
ويحرم نكاح زوجاته اللاتي توفي عنهن إجماعًا، وذلك لأنهن أزواجه في الجنة، وإذا لم تتزوج المرأة بعد الموت زوجها فهي له في الأخرة، كما روي أن أبا الدرداء قالت له زوجته عند الاحتضار: يا أبا الدرداء، إنك خطبتني إلى أهلي فزوجوك، وإني أخطبك اليوم إلى نفسك، قال: فلا تزوجي بعدي.
فخطبها بعد موته معاوية - وهو أمير - فأبت عليه.
وروى البيهقي من حديث عيسى بن عبد الرحمن السلمي، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، أنه قال لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في
[ ١ / ٣٣٤ ]
الجنة لآخر أزواجها في الدنيا.
فلذلك حرم على أزواج النبي ﷺ ورضي الله عنهم أن ينكحن بعده، لأنهم أزواجه الجنة.
واختلفوا فيمن طلقها في حال حياته على ثلاثة أوجه: ثالثها أن من دخل بها تحرم على غيره ونص الشافعي على التحريم مطلقًا، ونصره ابن أبي هريرة، لقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وعلى هذا ففي أمة يفارقها بوفاة أو غيرها بعد الدخول وجهان.
وقيل: لم يكن أزواجه حرامًا على غيره إلا أن يموت عنهن، والدليل على ذلك آية التخيير، فإنه لو لم تخير للغير، لما كان في تخييره لهن فائدة، والله أعلم.
مسألة:
ومن قذف عائشة أم المؤمنين قتل إجماعًا، حكاه السهيلي وغيره، ولنص القرآن على براءتها.
وفيمن عداها من الزوجات قولان.
مسألة:
وكذلك من سبه ﷺ قتل، رجلًا كان أو امرأة، للأحاديث المتضافرة في ذلك، التي يطول ذكرها ها هنا، فمن ذلك حديث ابن عباس في الأعمى الذي
[ ١ / ٣٣٥ ]
قتل أم ولده لما وقعت في النبي ﷺ، وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال «ألا اشهدوا أن دمها هدر» .
وقال شعبة عن توبة العنبري، عن أبي السوار، عن أبي برزة: أن رجلًا سب أبا بكر، فقلت: ألا ضربت عنقه؟ فقال: ما كانت لأحد بعد النبي ﷺ.
رواه النسائي والبيهقي.
وروى ابن عدي، من حديث يحيى بن إسماعيل الواسطي، حدثنا ابراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لا يقتل أحدكم بسب أحد إلا بسب النبي ﷺ.
وقد صنف في ذلك الشيخ الإمام أبو العباس بن تيمية كتابه الصارم المسلول، على من سب الرسول ﷺ وهو من أحسن الكتب المؤلفة في ذلك.
والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٦ ]
مسألة:
وكان من خصائصه أنه إذا سب رجلًا ليس بذلك حقيقًا، يجعل سب رسول الله ﷺ كفارة عنه، ودليله ما أخرجاه في الصحيحين «عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفه، إنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته، أو شتمته أو جلدته، أو لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» ولهذا لما ذكر مسلم في صحيحه في فضل معاوية، أورد أولًا هذا الحديث، ثم أتبعه بحديث «لاأشبع الله بطنًا..» فيحصل منهما مزية لمعاوية ﵁.
وهذا من جملة إمامة مسلم رحمه الله تعالى.
ومن الجهاد
مسألة:
وكان إذا لبس لأمة الحرب لم يجز له أن يقلعها حتى يقضي الله أمره، لحديث يوم أحد لما أشار عليه جماعة من المؤمنين بالخروج إلى عدوه إلى أحد فدخل فلبس لأمته، فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول الله، إن رأيت أن ترجع؟ فقال: «إنه لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى
[ ١ / ٣٣٧ ]
يقاتل»، الحديث بطوله ذكره أصحاب المغازي، فقال عامة أصحابنا: إن ذلك كان وا جبًا عليه، وإنه يحرم عليه أن ينزعها حتى يقاتل.
وفرعوا عليه أنه لو شرع في تطوع لزمه إتمامه على أحد الوجهين، وهو ضعيف، لما قدمنا في الصوم.
والله أعلم.
وقد ضعف هذا التفريع أبو زكريا أيضًا.
مسألة:
وذكروا في خصائصه ﷺ وجوب المشاورة، يعني أنه يشاور أصحابه في أمور الحرب، قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ .
قال الشافعي: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: قال أبو هريرة ﵁: ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الحسن: لقد كان رسول الله ﷺ غنيًا عن المشاورة، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده.
قلت: فعلى هذا لا يبقى من الخصائص.
مسألة:
قالوا: وكان يجب عليه مصابرة العدو وإن زا دوا على الضعف، وكأن ذلك
[ ١ / ٣٣٨ ]
مأخوذ من حديث الحديبية، والله أعلم، «حيث يقول ﵊ لعروة في جملة كلامه: فإن أبوا فو الله لأقاتلهم - يعني قريشًا - على هذا الأمر حتى تنفرد سفالتي» والحديث مخرج في صحيح البخاري.
مسألة:
وقد قدمنا قوله ﷺ: «إنه لم يكن لنبي خائنة الأعين» .
قالوا: وكان مع هذا يجوز له الخديعة في الحروب، لقوله ﷺ: «الحرب خدعة» .
وكما فعل يوم الأحزاب من أمره نعيمًا أن يوقع بين قريش وقريظة، ففعل حتى فرق الله شملهم على يديه، وألقى بينهم العداوة وفل الله جموعهم بذلك وبغيره، وله الحمد والمنة.
مسألة:
وقد كان له ﷺ الصفي من المغنم، وهو أن يختار فيأخذ ما يشاء: عبدًا، أو أمةً، أو سلاحًا، أو نحو ذلك قبل القسمة، وقد دل على ذلك أحاديث في السنن وغيرها.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وكذلك كان له خمس الغنيمة، وأربعة أخماس الفيء، كما هو مذهبنا، لا خلاف في ذلك.
ومن الأحكام
مسألة:
قالوا: له أن يحكم بعلمه لعدم التهمة، وشاهده حديث هند بنت عتبة، حين اشتكت من شح زوجها أبي سفيان، فقال: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» .
وهو في الصحيحين عن عائشة ﵂.
وفي حكم غيره بعلمه خلاف مشهور حاصله ثلاثة أقوال، ثالثها: يحكم في غيره حدود الله.
قالوا: وعلى هذا فيحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، وتقبل شهادة من يشهد له، لحديث خزيمة بن ثابت، وهو حديث حسن مبسوط في
[ ١ / ٣٤٠ ]
غير هذا الموضع، والله تعالى أعلم.
مسألة:
قالوا: ومن استهان بحضرته أو زنى، كفر.
وقال الشيخ أبو زكريا النووي: وفي الزنى نظر.
والله أعلم.
مسألة:
يجوز التسمي باسمه بلا خلاف، وفي جواز التكني بكنية أبي القاسم ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: المنع مطلقًا، وهو مذهب الشافعي، حكاه عنه البيهقي، والبغوي، وأبو القاسم بن عساكر الدمشقي: لحديث ورد فيه «عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» أخرجاه، ولهما عن أبي هريرة مثله.
والثاني: وهو مذهب مالك، واختيار النووي - رحمهما الله تعالى - إباحته مطلقًا، لأن ذلك كان لمعنى في حال حياته زال بموته ﷺ.
[ ١ / ٣٤١ ]
الثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا، ولا يجوز لمن اسمه محمد، لئلا يكون قد جمع بين اسمه وكنيته، وهذا اختيار أبي القاسم عبد الكريم الرافعي.
مسألة:
وذكروا في الخصائص: أن أولاد بناته ينتسبون إليه، استنادًا إلى ما رواه البخاري «عن أبي بكرة ﵁ قال: رأيت الحسن بن علي ﵄ عند النبي ﷺ على المنبر، وهو ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى، فيقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» .
مسألة:
ومن الخصائص أن كل نسب وسبب ينقطع نفعه وبره يوم القيامة إلا نسبه وسببه وصهره ﷺ، قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بكر بنت المسور بن محرمة، «عن عبد الله بن أبي رافع، عن المسور، عن رسول الله ﷺ أنه قال: فاطمة بضعة مني يغيظن ويبسطن ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري» .
هذا الحديث في الصحيحين عن المسور
[ ١ / ٣٤٢ ]
بغير هذا اللفظ، وبدون هذه الزيادة.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وقد روى جماعة هذا الحديث بهذه الزيادة عن عبد الله بن جعفر هذا، وهو الزهري، عن أم بكر بنت المسور بن مخزمة، عن أبيها، ولم يذكر ابن أبي رافع، فالله أعلم.
«وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما خطب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁، فقال له علي: إنها صغيرة، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»، فأحببت أن يكون لي من رسول الله ﷺ سبب ونسب، فزوجه علي ﵄.
رواه البيهقي من حديث سفيان بن وكيع، وفيه ضعف.
وعن روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن ابن أبي ملكية، عن حسن بن حسن، عن أبيه، أن عمر
فذكره.
قال أصحابنا: قيل: معناه أن أمته ينتسبون إليه يوم القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا تنتسب إليهم.
وقيل: ينتفع يومئذ بالانتساب إليه، ولا ينتفع بسائر الأنساب.
وهذا أرجح من الذي قبله، بل ذلك ضعيف، قال الله تعالى: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولكل
[ ١ / ٣٤٣ ]
أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾، في آي كثيرة دالة على أن كل أمة تدعى برسولها الذي أرسل إليها.
والله ﷾ أعلم بالصواب.
والحمد لله أولًا وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قد تمت هذه النسخة المباركة في يوم الأربعاء من شهر جمادى الآخرة من سنة إحدى ومائة وألف على يد أضعف العباد وأحوجهم: حسن بن الحاج رمضان الخطيب الأيوبي غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه.
[ ١ / ٣٤٤ ]