قال الحافظ أبو طاهر السِّلَفِي في "معجم السَّفر" (١):
أنشدني أبو الطاهر عبد المنعم بن موهوب بن أحمد القارئ بمصر،
_________________
(١) (ص ٢٠٤).
[ ١٣ ]
قال: أنشدنا أبو عمران موسى بن محمد بن عبد الله بن بهيج الأندلسي لنفسه من قصيدته المشهورة في ذكر عائشة الصدّيقة ومنها:
أَكرِمْ بِأرْبَعَةٍ أئِمَّةِ شَرْعِنَا فَهُمُ لِبَيْتِ الدِّينِ كَالأرْكَانِ
بينَ الصَّحَابَةِ والقَرَابَةِ أُلفَةٌ لَا تَسْتَحِيلُ بِنَزْغَةِ الشيْطَانِ
نُسِجَتْ مَودَّتَهُمْ سَدًى في لُحْمَةٍ فَبِنَاؤهَا مِنْ أثبَتِ البُنْيَانِ
﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ صَفَتْ أَخْلاَقُهُم وَخَلَتْ قُلُوبُهُمُ مِنَ الشنْآنِ
هُمْ كَالأَصَابِعِ في اليَدَيْنِ تَوَاصُلًا هَلْ يَسْتَوِي كَفٌّ بِغَيْرِ بَنَانِ
اللهُ ألَّف بينَ وُدِّ قُلُوبِهِمْ لِيَغِيظَ كُل مُنَافِقٍ طَعَّانِ
فَدُخُولُهُمْ بينَ الأحِبَّةِ كُلْفَةٌ وَسِبَابُهُمُ سَببٌ إلَى الحِرْمَانِ
وذكرها الحافظ ابن حجر في "المجمع المؤسس للمعجم المفهرس" (١) فيما يرويه عن شيخه عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بابن الشيْخَة، حيث قال: "قصيدة في مدح أم المؤمنين عائشة" أولها:
مَا شَانُ أُمِّ المُؤمِنينَ وَشَاني
وهي من نظم أبي عمران موسى بن محمَّد بن عبيد الله الأندلسي الواعظ، بسماعه لها على أبي الحسن بن قُرَيْش، بسماعه من الحافظ رَشِيد الدين يحيى بن علي بن عبد الله العَطَّار، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو طاهر عبد المنعم بن موهوب إجازة، قال: أنشدنا أبو عمران.
كما ذكرها في "المجمع" (٢) أيضًا، فيما يرويه عن شيخه محمَّد بن محمَّد بن أبي بكر، خطيب الصَّالحية، إذ يقول:
_________________
(١) (٢/ ١٣٠) بتحقيق يوسف المرعشلي، ط دار المعرفة في بيروت.
(٢) (٢/ ٤٨٦).
[ ١٤ ]
وسمعت من لفظه "أحاديث وأناشيد، فيها القصيدة التي في مدح أم المؤمنين عائشة"، أولها:
ما شان أُمِّ المؤمنين وشاني
وهي من نظم أبي عمران موسى بن عبيد الله الأندلسي الواعظ، بسماعه من عز الدين ابن جماعة قال: أخبرنا محمَّد بن أبي الحَرَم، قال: أخبرنا الرشيد العَطَّار، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو طاهر عبد المنعم بن موهوب إجازة عنه.
كما أن أبو الفتح إبراهيم بن علي القرشي القلقشندي قد رواها من طريق الحافظ ابن حجر، إذ يقول كاتب "ثبته" (١) محمَّد بن يشبك اليوسفي:
وسمِعَ على سيِّدنا ومولانا وشيخنا شيخ مشايخ الإِسلام والحفاظ جمال الدين أبي الفتح إبراهيم بن شيخ الإِسلام علاء الدِّين أبي الفتوح علي بن القاضي قطب الدِّين أحمد القُرَشي القلقشنديّ الشافعي جميع القصيدة الوضَّاحيَّة في مدح أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، التي أوَّلها:
ما شان أُمِّ المؤمنين وشاني
بقراءة الشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن علي القدسي الحنبليّ، كاتبه (٢) محمَّد بن يشبك اليوسفيّ، وولده أحمد، والشَّيخ شرف الدِّين يونس بن ملاج الحسنيّ الحنفيّ، قال مولانا المُسَمِّع: أخبرنا بها جمع من الشيوخ سماعًا
_________________
(١) "ثبت القلقشندي" (١٧ / ب قطعة منه، نسخة مكتبة المدينة المنورة العامَّة برقم ٣٦٥).
(٢) قلت: وهذا عين إسناد نسخة أكسفورد التي اعتمدنا عليها. (كتبه نظام).
[ ١٥ ]
منهم شيخ الإِسلام شهاب الدِّين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر الشافعي، والمسندة أُمِّ الفضل هاجر القدسيَّة، والمسندة ساره ابنة جماعة وغيرهم، سماعًا على الثانية، وإجازةً من الأول والأخيرة إن لم يكن سماعًا ولا قراءة.
قال الأوَّلون: أنا أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المبارك بن الشيخة الغزّي سماعًا لهاجر، وإجازة؛ إن لم يكن سماعًا ولا قراءة لشيخ الإِسلام ابن حجر، أنا أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن إبراهيم بن قُريش، وقالت ساره: أنا جدّي شيخ الإِسلام عزّ الدِّين أبو عمر عبد العزيز بن محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانيّ إجازة؛ إن لم يكن سماعًا، أنا أبو بكر محمد بن مكي بن جامع القرشيّ سماعًا. قال هو وابن قريش: أنا بها الرَّشيد أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشيّ العطار الحافظ، أنا بها أبو الطَّاهر عبد المنعم بن موهوب اليزني القارئ، أنشدنيها ناظمها أبو عمران موسى بن محمَّد بن عبد الله الأندلسي الواعظ، عُرِفَ بابن بهيج، فذكرها.
وأجاز مولانا المُسَمِّع لكاتبه محمَّد بن يشبك اليوسفي وولده أحمد رواية ذلك وجميع ما يجوز له وعنه روايته، صحَّ ذلك وثبت بباب منزل مولانا المُسَمِّع بِحَارَة بهاء الدِّين قراقوش، في يوم الأحد المبارك السادس عشر من ذي القعدة الحرام، سنة ثمان وعشرة وتسعمائة".
وقد كتب صحة هذا السماع بخطه العلَّامة أبو الفتح القلقشندي: "الحمد لله. صحيح ذلك، كتبه إبراهيم بن علاء القرشي القلقشندي الشَّافعي حامدًا مصليًا مسلمًا".
وممن سَمِعَ هذه القصيدة ورواها: العلَّامة محمَّد المرتضى الزَّبيدي،
[ ١٦ ]
إذ جاء سماعه لها على نسخة من هذه القصيدة محفوظة بالخزانة العامة بتطوان في المغرب تحت رقم (٦٠)، وإليك إياه (١):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حمدًا لمن نزَّل براءة الصدّيقية في كتابه، وصلاةً وسلامًا على سيدنا محمَّد وآله وصحبه، وبعد:
فيقول أسير المساوي، عبد الوهاب بن محمَّد الطائي الحميدي الشافعي الشبراوي:
قد أنشدنا شيخنا الإِمام الحَبْر الهُمام اللغوي الجهبذ الناثر الناظم الناقد المحدث المفسر الفقيه الحنفي السيد الشريف محمد بن محمد بن محمَّد الشهير بالمرتضى الزبيدي الحسيني نزيل مصر، بجامع المرحوم شيخو العمري الناصري بخط صليبة أحمد بن طولون، قال: أنشدنا إياها شيخنا الفقيه الصالح محمَّد بن مصطفى بن علي الأيسر الفُوّي الشافعي عن والده.
قال شيخنا السيد المذكور: وأعلى من ذلك أني رويتها عن شيخي السيد محمد بن محمَّد حجاج الحسيني قال: أنشدنا أبو الفيض علي بن إبراهيم الزغلي البويتجي الشافعي نزيل فُوَّة. قال: أنشدنا إبراهيم بن محمَّد المأموني الشافعي، عن الشمس الرملي الأنصاري، عن شيخ الإِسلام زكرياء الأنصاري، عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني بقراءته على أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك، أنا أبو الحسن علي بن إسماعيل بن قريش المخزومي سماعًا سنة ٧٣٩ بسماعه على الحافظ رشيد الدين أبي الحسين يحيى بن علي القريشي، قال: أخبرنا والدي أبو الحسن علي بن عبد الله القريشي بحق قراءتي عليه غير ما مرة، أخبرنا
_________________
(١) انظر ما يأتي (ص ١٨).
[ ١٧ ]
أبو طاهر عبد المنعم بن موهوب اليَزَني الواعظ إجازةً، أنشدنا أبو عمران موسى بن محمَّد بن عبد الله الأندلسي لنفسه في عائشة أم المؤمنين ﵂، وأجازه الأفضل وزير مصر السُّني عليها بمائة دينار لما بلغته، ﵂ ورحم الله القائل.
تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
وعليها بخط السيد مرتضى ما نصه:
الحمد لله، قد سمع مني هذه القصيدة بقراءتي: كاتبها وصاحبها الشيخ الفاضل المفيد أبو الفضل عبد الوهاب بن محمَّد بن علي الشبراوي الشافعي حفظه الله، وقد أجزت له ولمن سمع معه، وهم نحو من ثلاثين نفسًا ضبطت أسماؤهم على ظهر نسخة الأصل عند مثبت الأسماء، روايتَها عني، بارك الله فيهم ونفع بهم. وكتبه محمَّد بن محمَّد بن محمَّد المرتضى الحسيني في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شعبان سنة ١١٨٦ بجامع المرحوم شيخو العمري، حامدًا لله ومصليًّا ومسلمًا.
هذا ما وقفت عليه من توثيقٍ أصيلٍ لهذه القصيدة الجليلة، ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذه القصيدة قد سبق نشرها وذلك من قِبَل العلَّامة اللغوي سعيد الأفغاني، فقد أوردها كاملة في كتابه "عائشة والسياسة" المطبوع في القاهرة سنة (١٩٤٧) (ص ٣٦٢ - ٢٦٥) وذكر أنه اعتمد على نسخة قديمة في حوزة الأستاذ أحمد عُبيد صاحب المكتبة العربية بدمشق.
كما أن العلَّامة عبد الله كنون المغربي نشرها (١) في مجلة مجمع اللغة
_________________
(١) وقد اعتمد على أربع نسخ: الأولى نسخته الخاصة، والثانية والثالثة والرابعة من =
[ ١٨ ]
العربية بدمشق سنة (١٣٩٣ هـ -١٩٧٣ م) (٤٧/ ٧٤٨ - ٧٥٦) ثُمَّ أعاد نشرها مرة أُخرى في مجلة "المناهل" التي تصدرها وزارة الثقافة في المغرب العدد السادس (رجب ١٣٩٦ هـ - يوليو) (ص ٢٥ - ٣٤) (١).
ومما قاله في مطلع هذه المقالة:
"هي قصيدة في مناقب أم المؤمنين عائشة ﵂ اشتملت على ذكر فضائلها وفضائل والدها أبي بكر الصديق ومجادلة الخصوم المبغضين لها المتقولين عليها. ومحاجتهم بالدليل من الكتاب والسنة في إيمان صادق ودفاع حار. وبالواقع التاريخي الذي لا نزاع فيه من سيرتها العطرة وسيرة أبيها الخليفة الأول رضوان الله عليه، وكل ذلك بأسلوب بارع وبيان رفيع، ونظم محكم متين، وإلى هذا وبقطع النظر عن كل اعتبار، فالقصيدة تعبر عن عاطفة إنسانية رفيعة لأنها تتخذ موقف المساندة بجنب سيدة شريفة أثناء أزمة
_________________
(١) = محتويات المكتبة العامَّة بتطوان، وأرقامها فيها (٦٥٦، ٨٣٠، ٦٠) والرقم الأخير فيها هو رقم النسخة التي فيها سماع الزبيدي الذي سبق إيراده من مقالته في مجلة مجمع اللغة العربية (٤٩/ ٩٢٤). وقد تعقب أحدهم في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (٤٩/ ٤٥٣) مقال عبد الله كنون الذي أورد فيه هذه القصيدة، وذكر أنه رأى بخط والده وهو من القرن الماضي أن القصيدة لابن لعديم، كما أنني وقفت على نسخة خطية من هذه القصيدة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة النبوية برقم (٢٦٧ مجاميع)، وذكر ناسخها في أولها أنها لابن الجزري، وهذه النسخة منسوخة سنة ١١٨٩ هـ، وقد زادت أبياتها على بقية النسخ أكثر من عشرين بيتًا، وهذا كله مما حدا بي إلى العناية بتوثيق هذه القصيدة وبيان صحة نسبها إلى أبي عمران الأندلسي.
(٢) وقد أوقفني على هذه المقال أخي الباحث المحقق الطلعة، أحد كواكب المغرب المشرقة عبد اللطيف بن محمَّد الجيلاني، فجزاه الله عني خيرًا.
[ ١٩ ]
هي أعنف أزمة يمر بها امرأة في حياتها، فتنافح عنها وعن كرامتها حتى تحتفظ لها بسمعتها الطيبة وذكرها الجميل.
ومما أبر به صاحب هذه القصيدة أنه جعلها على لسان السيدة عائشة نفسها، فبعد المطلع الذي يوذن بمقصوده تخلص في البيت الثاني إلى إعطائها الكلمة، فجعلها هي التي تناظر وتفاخر وتدفع في نحور الأعداء بسلاح الحجة والبرهان الذي يطوقهم الخزي والعار. فلو أنها ﵂ نطقت فعلًا بشعر في الموضوع لما زادت على ما احتوته هذه القصيدة، وهي من هي قوة بيانٍ وشدة عارضة.
وهذا مما يدل على بلاغة منشئها، ومقدرته البيانية وتمكنه من صناعة الشعر، فضلًا عن رسوخ قدمه في المعرفة بعلم الحديث والسيرة النبوية والتاريخ وسائر العلوم الإِسلامية".
ولا يعزب عنك أيها القارئ ما مرَّ في سماع الزَّبيدي لها أنه ذكر: أن الأفضل وزير مصر السني (١) أجاز ناظمها بمائة دينار لمَّا بلغته.