قَدْ عُرِضَ الْقُرْآنُ فِي مُجْمَلِهِ (^١) عَلَى نَبِيِّنَا كَرِيمِ الذَّاتِ
صَلَّى عَلَى الْأَمْوَاتِ فِي تَضَرُّعٍ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فِي ثَبَاتِ
أَشَدُّ مَا يَكُونُ فِيكُمْ أُمَّتِي تَنَافُسُ الدُّنْيَا مَعَ الشَّتَاتِ
أَسْقِي مِنَ الْحَوْضِ نَعَمْ خِيَارَكُمْ أَمَّا الشِّرَارُ فَإِلَى الْغَيَّاتِ
عَانَى مِنَ الْحُمَّى وَظَلَّ صَامِدًا فِدَاكَ نَفْسِي سَيِّدَ السَّادَاتِ
بِبَيْتِ عَائِشَةَ كَانَ مُكْثُهُ (^٢) أَكْرِمْ بِهَا حَمِيدَةُ الصِّفَاتِ!
قَالَ النَّبِيُّ مُبْدِيًا شَرِيعَةً تُنْقِذُنَا مِنْ أَعْظَمِ الْفِتْنَاتِ
لَا تَجْعَلُوا مِنَ الْقُبُورِ مَسْجِدًا (^٣) بَلْ أَخْلِصُوا الْأَعْمَالَ وَالطَّاعَاتِ
شُدُّوا رِحَالَكُمْ إِلَى ثَلاثَةٍ فَإِنَّهُمْ مَنَابِعُ الْخَيْرَاتِ
أَمَّا بَنُو الْأَنْصَارِ خَيْرُ فِرْقَةٍ فَهُمْ شُمُوسٌ فِي سَمَا الرَّبْوَاتِ
وَخُيِّرَ الْحَبِيبُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَاخْتَارَ مَنْ يُحْيِي بِلَا فَوَاتِ (^٤)
_________________
(١) اعْتَكَفَ النَّبِيُّ (- ﷺ -) فِي رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَتَدَارَسَهُ جِبْرِيلُ القُرْآنَ مَرَّتَيْنِ.
(٢) أمُّ المُؤْمِنِينَ (عَائِشَةُ بنت أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵄).
(٣) عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ الله (- ﷺ -) أَنْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ». رواه البَيْهَقِيُّ فِي (السُّنن الكبرى ج ٩/ص ٢٠٨)
(٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «﵁»، أَنَّ رَسُولَ الله (- ﷺ -) «جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» صحيح البخاري - (٣٩٠٤)، صحيح مسلم - فضائل الصَّحَابة (٢٣٨٢)، سنن التِّرمذي - المناقب (٣٦٦٠)، مسند أحمد - باقي مسند المكثرين (٣/ ١٨)، سنن الدَّارمي - المقدمة (٧٧).
[ ١١٣ ]
وَفِي الْعِشَاءِ قَدْ شَكَا آلَامَهُ وَإِنَّهَا مِنْ سَكْرَةِ الْمَمَاتِ
وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ لِعُسْرَةٍ (^١) مَا أَجْمَلَ الصَّبْرَ عَلَى الْحَاجَاتِ!
فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ نَالَتْ رِفْعَةً سَيِّدَةُ النِّسَاءِ فِي الْجَنَّاتِ (^٢)
قَبَّلَ ثِبْطَيْهِ مَعًا تَعَاطُفًا حُبُّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ النِّعْمَاتِ
أَوَصَى النَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ آخِرًا وَفَاضَتِ الرُّوحُ إِلَى الْحُسْنَاتِ
قَبَّلَهُ الصِّدِّيقُ بَعْدَ مَوْتِهِ (^٣) وَالْقَلْبُ مَكْلُومٌ مِنَ الْأَ نَّاتِ
مَا جُرِّدَ الْحَبِيبُ مِنْ ثِيَابِهِ قَدْ طَابَ فِي الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ
صَلَّى عَلَيهِ النَّاسُ فِي تَتَابُعٍ (^٤) كُلٌّ يُنَاجِي سَامِعَ الْأَصْوَاتِ
نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ رِفْقَةٍ يَا بَاعِثَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ
وَصَلِّ رَبَّنَا عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَدْ أَتَى بِالنُّورِ والْآيَات
_________________
(١) قبل يَوْمٍ مِنَ الوَفَاةِ أَعْتَقَ النَّبِيُّ (- ﷺ -) غِلْمَانَهُ وَتَصَدَّقَ بسِتَةِ أو سَبْعَةِ دَنَانِيرَ كَانَتْ عِنْدَهُ وَوَهَبَ لِلْمُسْلِمِينَ أَسْلِحَتَهُ وَكَانَتْ دِرْعُهُ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنَ الشَّعِير.
(٢) أخْبَرَ النَّبِيُّ (- ﷺ -) فَاطِمَةَ أنَّهَا أوَّلُ أهْلِهِ يَتْبَعُهُ ثُمَّ بَشَّرَهَا أنَّهَا سَيِّدةُ نِسَاءِ العَالَمِين انظر رحمة للعالمين ١/ ٢٨٢.
(٣) عن عَائِشَةُ (﵂): «كَانَ النَّبِىُّ (- ﷺ -) يَقُولُ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: (يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِى مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ) «رواه البخاري (٤١٦٥). ثُمَّ أَوْصّى النَّبِىُّ (- ﷺ -) النَّاسّ فَقَالَ: «الصَّلاةَ الصَّلاةَ ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم» وبدأ فِي الاحْتِضَار حتَّى فَاضَتْ رُوحُهُ (- ﷺ -) ولَحِقَ بِالرَّفِيقِ الأعْلَى. خَرَجَ أبُو بَكْرٍ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا (- ﷺ -) فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَرَأَ الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: ١٤٤).
(٤) دَخَلَ النَّاسُ الحُجْرَةَ أَرْسَالًا عشرة فعشرة يُصَلُّونَ عَلَى رسول الله (- ﷺ -) أَفْذَاذًا لا يَؤُمُّهُم أَحَدٌ، وصَلَّى عَلَيْهِ أوَلًا أهْلُ عَشِيرَتِهِ ثُمَّ المُهَاجِرُونَ ثُمَّ الأنْصَارُ ثُمَّ النِّسَاءُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ. انظر مُوَطَّأ الإمام مالك كتاب الجنائز باب ما جاء فِي دفن الميِّت ١/ ٢٣١، وطبقات ابن سعد ٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢.
[ ١١٤ ]