الحمدُ لله ربِّ العَالمين حَمْدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سُلْطَانِهِ، والصَّلاة والسَّلام على أفضل الرُّسل وخاتم النَّبيِّين سيِّدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ واسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ وَدَعَا بِدَعْوَتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
(القَوَافِي النَّدِيَّةُ فِي السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ) هذا هو عنوان كتابي، الَّذي اخترته بعناية ليكون مُعَبِّرًا عن المضمون والجَوْهَر، وَنَظَمْتُ الشِّعْرَ سَابحًا في بحر الرَّجز؛ ليسهل على الناس حفظ سيرة المختار وتفهُّم كامل معانيها وأحداثها، وتعرَّضْت لأدق التفاصيل للحفاظ على السِّيرة بكل ما فيها من عظاتٍ وعِبَر، فتكون منارًا للسَّالكين وهدًى للضَّالِّين وأمنًا للخائفين، يَتَغَنَّى بها الكون بِأَسْرِهِ، ويَتَرَنَّمُ بها الحجر والشَّجر والطَّير في جوِّ السَّماء والحِيتان في جوف البحار فهي غذاء الرُّوح وبهجة النُّفُوس.
عن أُبَيّ بن كَعْب قال: قال رسول الله (- ﷺ -): (إِنَّ مِنَ الشِّعر حِكْمَةً) (^١) وقال عمر بن الخطاب (﵁): (نِعْمَ مَا تَعَلَّمَتْهُ العَرَبُ الْأبْيَاتُ مِنَ الشِّعْرِ يُقَدِّمُهَا الرَّجُلُ أمَامَ حَاجَتِهِ).
وكان ابن عبَّاس يقول: إِذَا قَرَأْتُمْ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ الله فَلَمْ تَعْرِفُوهُ فاطْلُبُوهُ فِي أَشْعَارِ العَرَبِ فإنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ العَرَبِ. وكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ القُرآنِ أَنْشَدَ فِيهِ شِعْرًا.
_________________
(١) قال الألباني فِي «السِّلسلة الصَّحيحة» ٦/ ٨٣٨، أخرجه البخاري فِي «صحيحه» (٧/ ١٠٧) وفي «الأدب المفرد» (١٢٤ و١٢٥) وأبو داود (٢/ ٣١٥) والدَّارمي (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) وابن ماجه (٢/ ٤١٠) والطيالسي (ص ٧٦ رقم ٥٥٦) وأحمد (٣/ ٤٥٦ و٥/ ١٢٥).
[ ٩ ]
وكان الشِّعر في الجاهليَّة عند العرب ديوان علمهم ومُنْتَهَى حكمهم به يأخذون وإليه يصيرون (^١).
ومن كل ما سبق أَخُصُّ الطَّيِّبَ مِنَ الشِّعْرِ حتَّى لا نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فنأخذ من الشِّعر كل ما يدعو إلى الفضائل والبعد عن الرَّذائل؛ حتَّى نحقق تقوى الله ﷾، ونرجو بذلك المغفرة والرِّضوان.
الشِّعر: هو الكلام البليغ، المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء مُتَّفِقَةٍ في الوزن والرَّوِيِّ، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة (^٢).
وقد أخذ الخليل والأخفش تلميذه ما حَظِيَ بالاستحسان وغطَّى ما عداه من الأوزان. والتزمت الحفاظ على الوزن والقافية؛ لأنَّهما اللَّذان يضبطان الموسيقى الظَّاهرة في الشِّعر، وسميت القافية بهذا الاسم لأنَّها تقفو إثر كل بيت وهي حِلْيَة موسيقية تزين الكلام.
والقوافي عند الخليل ما بين آخر حرف إلى أول حرف ساكن يليه مع المتحرك الَّذِي قبل الساكن «وَقَافِيَةٌ بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالضِّرْسِ».
واستخدمت الألف رِدْفًا، والرِّدْفُ هو حرف مد يأتي قبل الرَّوِيّ وحروف المد هي (الألف، الواو، الياء) ومثال على ذلك:
بَدْرُ الْهُدَى قَدْ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي الْعَلْيَاءِ
وأما الرَّوِيُّ من الرِّوَاءِ وهو الحبل الَّذِي يضم شيئًا إلى شيء، فالرَّوِيُّ يشد أجزاء البيت ويوصل بعضها ببعض أو يربط أبيات القصيدة بعضها ببعض ربطًا شكليًا متمثِّلًا
_________________
(١) انظر كتاب طبقات فُحُول الشُّعَرَاء لابن سَلَّام الْجُمَحِيّ ص ١ - ٣٤
(٢) انظر كتاب فِي علم القافية د/أمين علي السيد (ص ٥٠ - ٨٥)
[ ١٠ ]
في الموسيقى الظَّاهرة، وهو الحرف الَّذِي يختاره الشَّاعر من الحروف الصَّالحة فيبني عليه قصيدته ويلتزمه في جميع أبياتها، وإليه تنسب القصيدة، فيقال قصيدة همزيّة إن كانت الهمزة هي الرَّوِيّ كهمزيّة شوقي، أو لاميَّة إن كانت اللَّام هي الرَّوِيّ كلاميَّة العرب للشَّنْفَرَى.
أمَّا الْوَصْلُ فهو (الحرف الَّذِي يلي الرَّوِيّ مباشرة، وقد يكون ناتجًا من حركة إشباع الرَّوِيّ كالواو من الضمة والياء من الكسرة والألف من الفتحة أو الهاء). والوصل عندي هو حرف الياء الناتج من إشباع حرف الرَّوِيّ المكسور دائمًا.
والسِّيرة النَّبويَّة لها وضع خاص بما فيها من وقائع وأحداث وشخصيات لا بد من ذكرها في مكانها كما هي دون تغيير؛ حتَّى تكون حُجَّةً لنا لا علينا إرضاءً للّه ورسوله.
وللسُّنَّة النَّبويَّة أهمية عظيمة في قلوب المسلمين، فإذا كان القرآن الكريم هو أصل الشَّريعة ومصدرها الأول فإن السُّنَّة النَّبويَّة الكريمة هي المصدر الثاني من مصادر التَّشريع، وكلام النَّبِيِّ (- ﷺ -) هو وحيٌ من الله، حيث يقول سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ١ - ٤].
والله سبحانه قد أَنْزَلَ القرآن تبيانًا لكل شيء يحتاج إليه النَّاس من أمر الشَّريعة وهدًى من الضَّلالة ورحمةً وبشرى بالجنَّة للمسلمين الموحِّدين، فقد قال الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. والسُّنَّة النَّبويَّة جاءت مُبَيِّنَةً ومُفَسِّرَةً للقرآن الكريم.
وطاعة النَّبيِّ (- ﷺ -) من طاعة الله، حيث قال الله ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
أسأل اللَّهَ سُبْحَانَهُ أنْ يُحْيِيَنَا على السُّنَّةِ وأنْ يُمِيتَنَا عليها وأنْ يَحْمِيَنَا مِنَ البِدَعِ إنَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وأسْألُ اللهَ أنْ يَجْمَعَنَا مع نَبِيِّنَا (- ﷺ -) في مُسْتَقَرِّ رحمته في جَنَّةٍ عَرْضُهَا
[ ١١ ]
السَّماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين وتحقيق ذلك بطاعة الله ورسوله، قال الله سُبْحَانَه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
ولن نَضِلَّ أَبَدًا مَا دُمْنَا نُحْيِي سُنَّةَ نَبِيِّنَا (- ﷺ -) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (- ﷺ -): «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِى وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».أخرجه الحاكم (١/ ١٧٢، رقم ٣١٩). وأخرجه أيضًا: الدَّارقطني (٤/ ٢٤٥).
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذَا الْعَمَلَ واجْعَلْهُ خَالِصًا لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ
محمد جودة فيَّاض
[ ١٢ ]