دَنَوْتُ يَا مُعَاذُ مِنْ نِهَايَةٍ (^١) فَإِنَّهُ عَسَاكَ لَا تَلْقَانِي
وَقَدْ دَعَا نَبِيُّنَا لِحَجَّةٍ فَإِنَّهَا نِبْرَاسُ كُلِّ آنِ
لَبَّى بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ مُقْرِنًا وَالشَّوْقُ فِي النُّفُوسِ وَالْوِجْدَانِ
تَحِيَّةُ الْبَيْتِ طَوَافٌ مُثْلِجٌ وَالْذِّكْرُ فِي سِرٍّ وَفِي إِعْلَانِ
سَعَى حَبِيبُنَا بِقَلْبٍ شَاكِرٍ فَالشُّكْرُ مِنْ دَعَائِمِ الْإِيمَانِ
وَفِي مِنَى يَخْشَعُ فِي ابْتِهَالِهِ فَإِنَّهَا مَنَارَةُ الْقُرْبَانِ
أَلْقَى النَّبِيُّ فِي الْجُمُوعِ خُطْبَةً قَدْ وَضَعَتْ مَبَادِئَ الْإِحْسَانِ
قَدْ حُرِّمَتْ دِمَاؤُكُمْ قَدَاسَةً أَمَّا الرِّبَا غِوايَةُ الشَّيْطَانِ
لِتَتَّقُوا الْجَلِيلَ فِي نِسَائِكُمْ وَاسْتَمْسِكُوا بِمَنْهَجِ الْقُرْآنِ
فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا بِشِرْعَةٍ تَهْدِي الْقُلُوبَ فِي دُجَى الْأَزْمَانِ (^٢)
شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ فَيْضُ رَحْمَةٍ سَبِيلُنَا لِرَوْضَةِ الْجِنَانِ
نُؤْمِنُ بِالله وَكُلِّ مُرْسَلٍ قَدْ جَاءَنَا بِشِرْعَةِ الرَّحْمَنِ
إِنَّ الصَّلَاةَ نُورُنَا فِي ظُلْمَةٍ وَفِي الصِّيَامِ صِحَّةُ الْأَبْدَانِ
أَمَّا الزَّكاةُ لِلْفَقِيرِ مَغْنَمٌ وَالْحَجُّ وَابِلٌ مِنَ الْغُفْرَانِ
قَدْ أَكْمَلَ اللهُ لَنَا شَرِيعَةً مَنْهَجَنَا وَوَاحَةَ الْأَمَان
_________________
(١) مُعَاذُ بن جَبَل، قال النَّبِيُّ (- ﷺ -) لمُعَاذ حِينَ بَعَثَهُ على اليمن ١٠ هـ: يا معاذ إنَّك عَسَى ألَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا وَلَعَلَّكَ أنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي فَبَكَى مُعَاذُ خُشُوعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ الله (- ﷺ -).
(٢) عن جابر بن عبد الله «﵄» حديث حجَّة الوَدَاعِ، وفيه أنَّ النَّبِيَّ (- ﷺ -) خَطَبَهُمْ بِعَرَفَةَ وَقَالَ: (.. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رواه مسلم (١٢١٨) وهكذا رواه أبو داود (١٩٠٥) وابن ماجة (٣٠٧٤) وابن أبي شيبة (١٤٧٠٥) وابن حبَّان (١٤٥٧) والبَيْهَقِي (٨٨٢٧).
[ ١١١ ]
ثُمَّ بَكَى عُمَرُ فِي تَنَهُّدٍ (^١) مَا بَعْدَ ذَلِكَ سِوَى النُّقْصَانِ
أَذِّنْ بِلَالُ فِي الْجُمُوعِ خَاشِعًا بِصَوْتِكَ الشَّجِيِّ فِي الْأَذَانِ
وَجَمَعَ النَّبِيُّ فِي تَضَرُّعٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَعَ الْخِلَّانِ
عَرَفَةُ الْخَيْرِ يَفِيضُ رَحْمَةً تَجَلِّيًا مِنْ رَبِّنَا الْمَنَّانِ
وَازْدَلَفَ النَّبِيُّ فِي تَرَاحُمٍ أَعْمَالُهُ تَخْلُدُ فِي الْأَذْهَانِ
وَجَمَعَ الْمَغْرِبَ فِي تَدَبُّرٍ مَعَ الْعِشَاءِ فِي حِمَى الْحَنَّانِ
فِي الْفَجْرِ صَلَّى بِالْجُمُوعِ حَامِدًا فَالْحَمْدُ مَوْصُولٌ بِلَا نِسْيَانِ
رَمَى الْحَبِيبُ جَمْرَةً تَعَبُّدًا فَإِنَّهَا الْأَكْبَرُ لِلتِّبْيَانِ
انْحَرْ شَفِيعِي الْبُدْنَ فِي مَسَرَّةٍ (^٢) تَقَرُّبًا لِخَالِقِ الْأَكْوَانِ
أَتْمِمْ عَلِيُّ مِئَةً وَافِيَةً فَإِنَّهَا شَعَائِرُ الرِّضْوَانِ
وَمَاءُ زَمْزَمَ لَهُ فَضِيلَةٌ نَبْعُ الشِّفَاءِ مَنْهَلُ الظَّمْآنِ
وَرَجَعَ الزَّمَانُ فِي هَيْئَتِهِ قَصْرٌ بِالاثْنَيْ عَشَرَ الْحِسَانِ
أَرَبْعَةٌ مِنْهُمْ شُهُورٌ حُرُمٌ (^٣) بِلَا نَسِيءٍ وَبِلَا بُطْلَانِ
جَيْشُ أُسَامَةَ نَعَمْ وَصِيَّةٌ (^٤) يَحْمِي التُّخُومَ خِيرَةُ الْفُرْسَانِ
وَمَرِضَ الْحَبِيبُ مِنْ سَاعَتِهِ فَلَا خُلُودَ يَا بَنِي الْإِنْسَان
_________________
(١) لمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ سورة المائدة. بَكَى عُمَرُ، فقال النَّبِيُّ (- ﷺ -): ما يبكيك يا عمر: قال: أبكاني أنّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا فَأَمَّا إذَا كَمُل فَإِنَّهُ لَم يَكْمُلْ شَيءٌ قَط إلَّا نَقُصَ فقال (- ﷺ -): صَدَقْتَ. انظر الدُّر المنثور ٢/ ٤٥٦.
(٢) نَحَرَ النَّبِيُّ (- ﷺ -) ثَلَاثًا وسِتِّينَ ثُمَّ أَمَرَ عَلِيَّ فَأَتْمَمَ المِئَة.
(٣) أربعة حُرُم هي: المحرم، رجب، ذو القعدة، ذو الحجَّة.
(٤) أخذ النَّبِيُّ (ﷺ) يجهز جَيْشًا كبيرًا فِي صفر ١١ هـ وأَمَّرَ عليه أُسَامَةَ بن زيد بن حارثة، وأمره أَنْ يُوطِئَ الخَيْلَ تُخُومَ البَلْقَاءِ والدَّارُومِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ لإعادة الثِّقة إلى قلوب العرب الضَّاربين عَلَى الحدود حَتَّى لا يَحْسَبَنَّ أحدٌ أنَّ بَطْشَ الكَنِيسَةِ لا مُعَقِّبَ لَهُ وأنَّ الدُّخولَ فِي الإِسْلَامِ يَجُرُّ عَلَى أصْحَابِهِ الحُتُوف فحسب.
[ ١١٢ ]