أَمَا تَرَى الْهِجْرَةَ فَيْضَ رَحْمَةٍ رِفْقًا بِنَا يَا زُمْرَةَ الْأَحْرَارِ
بِأَدْمُعٍ هَاجَرَ خَيْرُ صَحْبِنَا (^١) وَتَرَكَ الزَّوْجَةَ فِي الدِّيَارِ
فَتَبِعَتْهُ بَعْدَ شِقِّ أَنْفُسٍ قَدْ لَحِقَتْ بِمَوْطِنِ الْأَخْيَارِ
صُهَيْبُ قَدْ تَرَكَ كُلَّ مَالِهِ وَآثَرَ الْبُعْدَ عَنِ الْفُجَّارِ
عُمَرُ قَدْ خَرَجَ فِي شَجَاعَةٍ فَدُونَهُ مَفَاخِرُ الْأَشْعَارِ
تَمَهَّلَ الصِّدِّيقُ فِي هِجْرَتِهِ فَقَدْ أَرَادَ صُحْبَةَ الْمُخْتَارِ
اجْتَمَعَ الْكُفَّارُ فِي تَغَيُّظٍ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْأَشْرَارِ
مُحَمَّدٌ قَدْ سَاءَنَا بِأَمْرِهِ نَرَى خُرُوجَهُ بِلَا انْتِظَارِ
نَحْبِسُهُ فَلَا يَرَى أَتْبَاعَهُ وَالْقَتْلُ حَتْمًا سَيِّدُ الْقَرَارِ
تَيَقَّنَ الْحَبِيبُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ فَمَا سِوَى الْهِجْرَةِ فِي الْأَقْدَارِ
خَذِّلْ عَلِيُّ قَوْمَ شِرْكٍ دَاحِضٍ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْأَطْهَارِ
قَامَ أَبُو جَهْلٍ خَطِيبًا سَاخِرًا مُرْتَدِيًا عَبَاءَةَ اغْتِرَارِ
فَإِنْ تُطِيعُوا قَوْمَنَا مُحَمَّدًا نَسُدْ بِذَلِكُمْ عَلَى الْعِشَارِ
وَإِنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ بَعْثًا عَاقِبًا وَمَنْ عَصَى يُصْلَى غَدًا بِالنَّار
_________________
(١) لمَّا أراد أبو سَلَمَةَ الهِجْرَة اجتمع له أصْهَارُه وأخذوا منه زَوْجَتَهُ فغضب آلُ أبي سَلَمَة فقالوا لن نَتْرُكَ ابننا معها وتَجَاذَبُوا الغُلامَ بينهم فخلعوا يدَه وذهبوا به، وانطلق أبو سَلَمَةَ وحده إلى المدينة وكانت أمُّ سَلَمَةَ تَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ تبكي حَتَّى تُمْسِي، فَرَقَّ لها أَحَدُ ذويها وخَاطَبَ القَوْمَ، فقالوا لها الْحَقِي بِزَوْجِك.
[ ٤٦ ]
ظَنُّوا الْحَبِيبَ غَارِقًا فِي نَوْمِهِ لَكِنَّهُ خَرَجَ فِي اقْتِدَارِ
أَمَا وَقَدْ حَثَا التُّرَابَ فَوْقَكُمْ سُحْقًا لَكُمْ يَا عُصْبَةَ الْكُفَّارِ
وَغَارُ ثَوْرٍ قَدْ عَلَا مَكَانَةً فَإِنَّهُ ارْتَوَى مِنَ الْأَنْوَارِ
وَدَخَلَ الصِّدِّيقُ فِي تَرَقُّبٍ وَقَى النَّبِيَّ وَطْأَةَ الْأَخْطَارِ (^١)
جُنَّتْ قُرَيْشُ بَلْ وَطَارَ لُبُّهَا قَدِ ارْتَدَى فِرْعَوْنُ ثَوْبَ الْعَارِ
كَمْ أَظْهَرَتْ أَسَمَاءُ مِنْ شَجَاعَةٍ! (^٢) أَنْعِمْ بِهَا سَلِيلَةُ الْأَبْرَارِ!
_________________
(١) لُدِغَ أبو بَكْرٍ فِي رِجْلِهِ فَتَفَلَ رسُولُ الله (- ﷺ -) مكانَ اللَّدْغَةِ فذَهَبَ ما به مِنْ أَلَمٍ، وكان عبد الله بن أبي بَكْرٍ يأتى بالأخبار، وعَامِرُبن فُهَيْرَةَ يُخْفِي آثَارَ الأقْدَامِ بِغَنَمِهِ، وأسماء بنت أبي بكر كانت تأتي بالزَّادِ، وفى يَوْمٍ شَقَّتْ نِطَاقَهَا لِتَحْمِلَ الزَّادَ فسُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.
(٢) لَطَمَ أبو جَهْلٍ أَسْمَاءَ على وجهها فطرح منها قِرْطَهَا، انظر ابن هشام ١/ ٤٨٧. وكانت العنكبوت قد نَسَجَتْ خُيُوطَهَا والحَمَامَةُ وضَعَتْ بَيْضَهَا، كلُّ ذلك حِفْظًا مِنَ الله وعِنَايَتِهِ بِنَبِيِّه.
[ ٤٧ ]