أَتَى النَّبِيُّ مُشْرِقًا مُعْتَمِرًا مُهَلِّلًا بِالنَّاقَةِ القَصْوَاءِ
وَقَلَّدَ الْحَبِيبُ هَدْيًا نُسُكًا (^١) فَإِنَّهُ ذُو الْفِطْرَةِ السَّمْحَاءِ
وَأَرْسَلَ الْمُخْتَارُ عَيْنًا فَطِنًا لَعَلَّهُ يَقْدُمُ بِالْأَنْبَاءِ
خَالِدُ بِالْكُرَاعِ فِي حَمَاسَةٍ (^٢) فَإِنَّهُ الْمِغْوَارُ فِي الْبَأْسَاءِ
صَلَاةُ خَوْفٍ شُرِعَتْ مِنْ حِينِهَا أَجْمِلْ بِهَا شَرِيعَةُ الْبَقَاءِ!
وَبَدَّلَ النَّبِيُّ مِنْ دُرُوبِهِ عَجِبْتُ مِنْ مَحَاسِنِ الْآرَاءِ
جُنُودُنَا تَبَرَّضُوا مِنْ عَطَشٍ بِثَمَدٍ مِنْ شِدَّةِ الرَّمْضَاءِ
وَبُورِكَ الثَّمَدُ مِنْ نَبِيِّنَا فَجَادَ بِالطَّهُورِ وَالنَّقَاءِ (^٣)
أَمَّا ابْنُ وَرْقَاءَ فَخَيْرُ نَاصِحٍ (^٤) يُعْرَفُ بِالْحِكْمَةِ وَالذَّكَاءِ
قَالَ الحُلَيْسُ نَاصِحًا فِي حِكْمَةٍ (^٥) فَإِنَّه مِنْ سَادَةِ السَّخَاءِ
لَا تَمْنَعُوا مُحَمَّدًا مِنْ عُمْرَةٍ نِعْمَ الْفَصَاحَةُ مَعَ الصَّفَاءِ
عُرْوَةُ قَدْ بُهِتَ مِنْ مَحَبَّةٍ (^٦) فَقَدْ رَأَى مَآثِرَ الْوَفَاء
_________________
(١) قَلَّدَ النَّبِيُّ (- ﷺ -) الهَدْيَ بذي الحُلَيْفَةِ وَأَحْرَمَ بالعُمْرَةِ وبَعَثَ عَيْنًا مِنْ خُزَاعَةَ يأتي بِخَبَرِ قريش.
(٢) قَرَّرَ خَالِدُ بن الوليد أنْ يَمِيلَ على المسلمين وهم فِي صَلَاةِ العَصْرِ مَيْلَةً وَاحِدَةً، ولكنَّ اللهَ أَنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ ففاتت الفُرْصَةُ خَالِدًا.
(٣) مَرَّ الصَّحابةُ على ثَمَدٍ قليل الماء بأقصى الحُديبية فشكوا إلى رَسُولِ الله (- ﷺ -) الْعَطَشَ فانتزع سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِه ثُمَّ أمرهم أنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ فوالله ما زَالَ يَجِيشُ لهم بالرَّي حَتَّى صَدَرُوا.
(٤) بُدَيْلُ بن وَرْقَاء الخُزَاعِيّ.
(٥) الحُلَيْسُ بن عَلْقَمَة.
(٦) عُرْوَةُ بن مَسْعُودٍ الثَّقَفِي، جعل يرمق أصْحَابَ رَسُولِ الله (- ﷺ -) وهم يُعَظِّمُونَه.
[ ٨٤ ]
يَبْتَدِرُ النَّاسُ جَمِيعًا أَمْرَهُ عِرَاكُهُمْ عَلَى طَهُورِ الْمَاءِ
اغْتَرَّ بَعْضُ الْجُنْدِ مِنْ شَبَابِهِمْ فَوَقَعُوا فِي الْأَسْرِ وَالْعَنَاءِ
رَدَّهُمُ الْمُخْتَارُ فِي سَمَاحَةٍ وَتِلْكَ رَحْمَةٌ مَعَ الْأَعْدَاءِ
بُعِثَ عُثْمانُ بِوَجْهٍ مُشْرِقٍ (^١) فَالنُّورُ فِي وَجْنَتِهِ الشَّمَّاءِ
وَانْتَابَ كُلَّ النَّاسِ رَيْبٌ بَالِغٌ فَبَايَعُوا بِالْمَوْتِ وَالْفِدَاءِ
فَعَقَدَتْ قُرَيْشُ صُلْحًا فَاصِلًا (^٢) مَعَ الْحَبِيبِ كَامِلِ الْبَهَاءِ
فَتَضَعُ الْحَرْبُ نَعَمْ أوْزَارَهَا عَشَرَةً وَرَدْنَ فِي الْأَنْبَاءِ
وَأَنْ يَعُودَ النَّاسُ دُونَ عُمْرَةٍ وَالشَّوْقُ مَكْنُونٌ بِلَا لِقَاءِ
فَإِنْ أَتَى مِنْ دَارِهِمْ مُوَحِّدٌ يَعُدْ لِقَوْمِهِ بِلَا إِرْجَاءِ
مَنْ يَرْتَدِدْ عَنْ دِينِنَا مُسْتَكْبِرًا يَخْرُجْ بِلَا مَآثِرِ الْإِخَاءِ
اكْتُبْ عَلِيُّ مَوْثِقًا مُبْتَدِئًا بِاسْمِ الْمَلِيكِ خَالِقِ السَّمَاءِ
بَلْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فِي عُهُودِنَا قَدْ قَالَهَا سُهَيْلُ بِاجْتِرَاءِ
وَمَا عَلِمْنَاكَ نَبِيًّا مُرْسَلًا أَيَا ابْنَ عَمْرٍو لَيْسَ بِالْخَفَاءِ
أَرْسَلَنِي اللهُ نَبِيًّا شَاهِدًا أَدْعُو إِلَى الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاء
_________________
(١) عُثْمَانُ بن عَفَّان (﵁)، بعثه النَّبِيُّ (- ﷺ -) لقريش ليبين هدفه فلمَّا تأخَّر عثمان أُشِيعَ أنَّ عثمانَ قد قُتِلَ؛ فدعَا النَّبِيُّ أصْحَابَه إلى البَيْعَة، سُمِّيَت بيعة الرِّضْوَان، ولم يَتَخَلَّفْ عَنِ الْبَيْعَةِ سوي رَجُلٌ مِنَ المُنَافقين هو (جَدُّ بن قَيْس).
(٢) وَضَع النَّبِيُّ (- ﷺ -) قَوَاعِدَ الصُّلْحِ مع سُهَيْل بن عمرو، فيرجع النَّبِيُّ (- ﷺ -) دون عُمْرَةٍ هذا العَام ويعود العَام المُقْبِل، وتضع الحَرْبُ أوْزَارَهَا لمدة عشر سنوات ومَنْ أتى مُحَمَّدًا (- ﷺ -) مِنْ قريش دون إذن وليِّهِ ردَّه عليهم، ومَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِنْ عند مُحَمَّدٍ (- ﷺ -) لا يُرَدُّ، ومَنْ يَدْخُلْ فِي حِلْفِ النَّبِيِّ (- ﷺ -) له ذلك، ومَنْ أرَادَ أنْ يَدْخُلَ فِي حِلْفِ قُرَيْش فله ذلك. - ودَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي حِلْف المُسْلِمِينَ، أمَّا بَنُو بَكْرٍ فَدَخَلُوا فِي حِلْفِ قُرَيْش.
[ ٨٥ ]
تَأَخَّرَ النَّاسُ فَمَا تَحَلَّقُوا ضَاقَ نَبِيُّنَا مِنَ الْإِبْطَاءِ
قُمْ وَانْحَرِ الْهَدْيَ بِلَا تَحَدُّثٍ فَيَسْبِقُوا لِلنَّحْرِ فِي اقْتِدَاءِ (^١)
أَمَّا النِّساءُ فَلَهُنَّ بَيْعَةٌ (^٢) أَجْمِلْ بِهِنَّ خِيرَةُ النِّسَاءِ!
أَبُو بَصِيرٍ قَدْ غَدَا مُجَابِهًا (^٣) لِلْكُفْرِ فِي غَيَاهِبِ الصَّحْرَاءِ
يَعْتَرِضُ الْعِيرَ بِلَا تَخَوُّفٍ ضَاقَتْ قُرَيْشُ فِي سَمَا الْغَبْرَاءِ
وَأَسْلَمَ ابْنُ العَاصِ فِي حَفَاوَةٍ (^٤) قَدِ اهْتَدَى لِلنُّورِ وَالضِّيَاءِ
تَبِعَهُ خَالِدُ فِي قَنَاعَةٍ مَنَارَةُ الرِّفْعَةِ وَالْإِعْلَاء
_________________
(١) دَخَلَ النَّبِيُّ (- ﷺ -) على أُمِّ سَلَمَةَ، فحكى لها ما لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فأشارت عليه أنْ يَبْدَأَ هو بالنَّحْرِ فَحَلَقَ الرَّأْسَ فقام ففعل، فلما رأى النَّاسُ ذلك قاموا ونَحَرُوا وجعل بعضهم يحلق بعضًا.
(٢) شروط بَيْعَةِ النِّسَاءِ وردت فِي تفسير ابن كثير، سورة الممتحنة من الآية (١٠ - ١٣).
(٣) أبو بَصِير، رَجُلٌ مِنْ ثَقِيف ومعه أبو جَنْدَل بن سُهَيْل.
(٤) أسْلَمَ عَمْرُو بن العَاص وخَالِدُ بن الوَلِيد ومعهما عُثْمَانُ بن طَلْحَة.
[ ٨٦ ]