وفي هذه الظلمات المتكاثفة -من الشر والفتنة- أخذ اليهود يجوسون خلال الديار، وظنوا أنهم وسط هذا الظلام سيحكمون مؤامرتهم على المسلمين ويقضون القضاء الأخير عليهم.
[ ٢٦١ ]
وكان يهود بني النضير قد أخرجوا من ديارهم أمام قوة الحق وغلبته: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ﴾ ١.
وعلى الرغم من أنهم هم الذين بدءوا بالشر، وأن إخراجهم كان جزاءً وفاقًا لما سلف منهم من غدر وخيانة وظلم واستهتار إلا أن هذه النهاية الأليمة قد أفزعتهم، فأخذ سادتهم وكبراؤهم ينتقلون في أرجاء الجزيرة العربية لكي يؤلبوا قبائل العرب على محمد -ﷺ- وأصحابه، ولم يتركوا للكيد إلا وسلكوه، فخرجوا إلى القبائل العربية التي لا تزال تحقد على محمد -ﷺ- وأصحابه وتتربص بهم الدوائر، ومنهم قبيلة غطفان، وقد حرض اليهود رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب ومنهم: بنو مرة، وبنو أشجع، وبنو سليم، وبنو أسد.
وقد حرض اليهود رجالهم -كذلك- على حرب محمد -ﷺ- والمسلمين، ووجدوا منهم قبولًا وارتياحًا، واستعدادًا للانضواء تحت لواء قريش في سبيل ذلك الهدف الذي عقدوا عليه الآمال، وظنوه يسيرًا قريب المنال.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية ٢.
[ ٢٦٢ ]