استمر العمل في حفر الخندق ستة أيام متتابعة١، وكان المسلمون يعملون طوال النهار، فإذا جنّ عليهم الليل آووا إلى بيوتهم، وفي هذه الأثناء حصنت جدران المنازل التي تواجه مأتى العدو، وأخليت المساكن التي كانت وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصنت، ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة، لتكون سلاحًا يرمى به العدو إذا سولت له نفسه اقتحام الخندق.
وكانت قريش وأحزابها تظن أنها -وقد خرجت في هذه الجموع الغفيرة-
_________________
(١) ١ قال في "الفتح": بأن حفر الخندق استغرق ما يقارب شهرًا. وعن موسى بن عقبة: بقوا قريبًا من عشرين ليلة، وعند الواقدي: بقوا أربعًا وعشرين، وفي "الروضة" للنووي: خمسة عشرة، وأيد ابن القيم في "الزاد" الأوّل وأنهم أقاموا شهرًا.
[ ٢٧٠ ]
ستنتهي من الرسول -ﷺ- والمسلمين في ساعات معدودة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون سفرًا عاديًّا، أو رحلة تجارية يرجعون بعدها وقد قضوا على قوة المسلمين، وغنموا منهم عدتهم وعتادهم وكل شيء لديهم، ولكنهم كانوا يبنون الآمال على شفيرٍ هارٍ، ويقدرون فتضحك الأقدار.
ولقد وقفوا أمام الخندق وقفة المشدوه، وتملكهم العجب واشتدت بهم الحيرة، ولا غرو فهذا العمل كان مفاجأة غير منتظرة، وهذا السلاح جديد في نوعه لم يتعوده العرب من قبل في حروبهم.
وكان الرسول -ﷺ- والمسلمون -وعددهم حينئذٍ ثلاثة آلاف- يجعلون الخندق بينهم وبين أعدائهم حدًّا فاصلًا، وينظرون إلى تحركاتهم وتجمعاتهم من الجهة المقابلة، وقد أعدوا لكل احتمال عدته، واتخذ كل جندي أهبته، وكانوا يشددون الحراسة على الأماكن الضعيفة ويتبادلونها، حتى لقد كانت للرسول -ﷺ- نوبته، فكان يخرج إليها أحيانًا في الليل المظلم والبرد القارس.
ولقد عرفت قريش والأحزاب أن الأمد سيطول بهم، وأنهم سيقيمون أمام هذا الخندق ما وسعتهم الإقامة، ولكنهم لن يستطيعوا اقتحامه، وهذه الخيام التي نصبوها قريبًا من الخندق سوف لا تجيدهم فتيلًا إذا فاجأهم ريح عاصف أو سيل جارف. عرفت قريش والأحزاب ذلك كله فتملك نفوسهم همّ بالغ وحزن عظيم، وبدأوا يفكرون ويفكرون ويسيحون في أودية الأوهام والظنون.
[ ٢٧١ ]