وقد عاش بنو إسماعيل في مكة فترة طويلة يتمتعون بالمجد والسلطان، وكان إلى جوارهم أخوالهم الجراهمة، ولكن الزمن الدوار قضى على بني إسماعيل بالتخلف والضعف١، فانتزع أخوالهم السلطة من أيديهم. غير أنهم لم يبلغوا
_________________
(١) ١ ولم أر في ذلك شيئًا يعتمد، لكن عبارة ابن إسحاق في السيرة كما عند ابن هشام ١/ ١١٨: ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم وقرابتهم وإعظامًا للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال، فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد فلا يحاربون قومًا إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم. ثم إن جرهمًا بغوا بمكة، واستحلوا
[ ٤٧ ]
أمدًا طويلًا حتى طغوا واستحلوا حرمة البيت وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وظهر فيهم الفسق والفساد حتى إنهم كانوا يأتون الفحشاء والمنكر في جوف الكعبة، وكان ذلك السبب المباشر في ضعفهم وضياعهم، فأخرجهم الخزاعيون من مكة ١، وأصبحوا كما قال شاعرهم ٢:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى: نحن كنا أهلها فأبادنا ٣ صروف الليالي، والجدود العواثر
وكان الخزاعيون قد هاجروا من اليمن واستقروا في مكة إلى جوار الجراهمة، فلما رأوا ما حل بهم من فساد وضعف وانحلال، انتهزوا هذه الفرصة واستولوا على النفوذ والسلطان في أوائل القرن الثالث الميلادي، وقد ظلوا سادة مكة زهاء مائتي سنة، ثم أدركهم داء الأمم وقلب الدهر لهم ظهر المجن، واستطاع زعيم قرشي من بني إسماعيل أن يحاربهم وينتصر عليهم ويعيد نفوذ أجداده القديم وسلطانهم على هذه البلاد، وهذا الزعيم هو: قصي بن كلاب، وهو الجد الرابع للرسول ﷺ.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/ ١١٩. ٢ هو عمرو بن الحارث بن عروة بن مضاض. ٣ في السيرة: "فأزالنا"، وهو أصح. والقصيدة عنده تقع في ستة عشرة بيتًا.
[ ٤٨ ]