وقد وضع الرسول -ﷺ- أساس النظام الاقتصادي للمجتمع العربي١ الجديد مستضيئًا بما أنزل الله عليه من إرشاد وهداية.
وهو نظام كان -وما زال- كفيلًا بتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فجعل للفقراء حقًّا معلومًا في أموال الأغنياء، وجعل الزكاة ركنًا من
_________________
(١) ١ الإسلامي.
[ ٢٠٨ ]
أركان الإسلام١ لا يقوم الدين بغيره، وأوجب أداءها على كل مسلم مستطيع، وهو من يملك النصاب المعروف في الزروع والثمار، وفي الإبل والبقر والغنم، وفي عروض التجارة، وتوعد من يمتنع عن أدائها بالعذاب الأليم، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ٢.
وبين الله -﷿- أن الإنفاق في سبيل الله -﷿- هو التجارة الرابحة التي لا ينمو فيها رأس المال إلى عشرة أمثال فحسب، بل إلى سبعمائة، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة، وذلك حيث يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ولما كان الفقر من المشاكل العالمية المعقدة، وهو داء عضال يقوّض صرح النظام الاقتصادي بين المجتمعات والشعوب، فقد جاءت الدعوة الإسلامية بالعلاج الناجع لهذا الداء. والمتأمل في نصوص القرآن الكريم وفي مبادئ الدين الإسلامي وآدابه الحكيمة. يراها قد أعلنت الحرب على الفقر، وسلكت في سبيل القضاء عليه جميع الأسباب، وأوصدت دون أضراره كل الأبواب. وحسبنا أن نعلم أن الإسلام جعل الإحسان إلى الفقراء والمساكين كفارة للخطايا والذنوب، فكفارة اليمين إذا ما حنث فيه الإنسان هي إطعام الفقراء والمساكين.
_________________
(١) ١ وكان فرض الزكاة في النصف الثاني من السنة الثانية للهجرة، فهو متأخر أيضا عن تلك الأسباب كما قدمنا، ولذلك أغفله من أغفله. وإلا فثمة أشياء كثيرة ما زالت تزيد من قوة المسلمين واجتماعهم حتى نهاية الدعوة. ٢ سورة التوبة، الآية ٣٤، ٣٥. ٣ سورة البقرة، الآية ٢٦١.
[ ٢٠٩ ]
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ .. إلخ الآية١.
وكذلك كفارة الظهار تكون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وكفارة الإفطار في نهار رمضان تكون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين.
وهكذا يكون البر والإحسان سبيلًا إلى غسل الخطايا والذنوب ومحو الآثام والعيوب.
وقد جاء في الحديث النبوي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار " ٢.
والإسلام حينما شرع هذه الأصول الحكيمة لمعالجة أمراض المجتمع قد اتخذ الحيطة الكافية التي تضمن نقاء الإنسان وصفاءه حتى لا يتخلص من شر ليقع في شر أكبر، أو يبرأ من داء لتحيط به أدواء.. أجل، فإن الإسلام يدعو القوي أن يساعد الضعيف، ويهيب بالغني أن يعاون الفقير، ولكنه في الوقت نفسه دين العزة، دعا إلى احترام النفس وحفظ للإنسان كيانه، وأشفق عليه من الذلة والمهانة، وضن بماء وجهه أن يراق على الرغام، ويتبدد بين أيدي الطغاة اللئام، فلقد دعا كل إنسان إلى أن يأكل من كسب يمينه وعرق جبينه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، من ذلك ما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله -ﷺ- قال:
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٨٩. ٢ حديث صحيح، وقد جاء عن جماعة من الصحابة، وانظر "سنن الترمذي" ٦١٤، ٢٦٢٦، و"سنن ابن ماجه" ٣٩٧٣، ٤٢١٠، و"مسند أحمد" ٣/ ٣٢١، ٣/ ٣٩٩، ٥/ ٢٣١، ٥/ ٢٣٧، و"مسند الشهاب" ١٠٤، ١٠٥، وصحيح ابن حبان ٢٦١، ١٠٦٩، ٢٥٥٣، و"مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٣٠، و"إتحاف السادة المتقين" ٨/ ٥٠، و"إرواء الغليل" ٢/ ١٣٨، وغير ذلك.
[ ٢١٠ ]
"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -﵇- كان يأكل من عمل يده" ١.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "كان زكريا -﵇- نجارًا" ٢.
وكان رسول الله -ﷺ- يشتغل بالتجارة ويشتغل كذلك برعي الغنم، وقد ذكر ذلك عن نفسه وعن بعض الأنبياء، فقال: "بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد" ٣.
فالإسلام لا يحارب الفقر بدعوة الأغنياء الموسرين إلى البر والإحسان فحسب، ولكنه يحاربه -كذلك- بدعوة الفقراء إلى العمل، ونبذ البطالة والكسل، حتى لا يكونوا عالة على المجتمع وسوسًا ينخر في عظامه، وبهذا العلاج القوي الفعال يمكن أن يستأصل ذلك الداء إذ تجتمع ضده قوتان، ويهاجم من ناحيتين، ويقع فريسة بين عدوين: الأموال التي ينفقها الأغناء في
_________________
(١) ١ "صحيح البخاري" رقم ١٩٦٦ من حديث المقدام. ٢ "صحيح مسلم" كتاب الفضائل باب ٤٩ رقم ١٦٩. ٣ رواه أبو داود والنسائي من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن ابن حزن، كما في "جامع المسانيد والسنن" ١٢/ ١٢٦، وإسناده صحيح. وعزاه ابن حجر في "الفتح" ٤/ ٤٤١ للنسائي فقط. ولكن أخرجه ابن سعد ١/ ١/ ٩٠، وابن المبارك ١١٧٧ كلاهما من طريق زهير، عن أبي إسحاق مرسلًا. وشعبة هو شعبة، فلا يعلل بالإرسال. ثم الحديث جاء عن أبي سعيد الخدري -دون ذكر داود- كما في "مجمع الزوائد" ٤/ ٦٥ وقال: رواه أحمد والبزار وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس. فهذا شاهد يقويه. وكذلك صح في البخاري عن أبي هريرة ٢٢٦٢ يرفعه: "ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة".
[ ٢١١ ]
سبيل الله، وكفاح الفقراء وعملهم في سبيل الحياة، فلا يلبث الفقر أن يزمع الرحيل إلى غير مآب تاركًا وراءه مجتمعًا نظيفًا قويًّا ينعم بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.
ومن ذلك نرى أن الأساس الذي وضعه الرسول -ﷺ- لإصلاح المجتمع من الناحية الاقتصادية هو القضاء على الفقر وتذويب الفوارق بين الطبقات ١ والتجاوب الكامل بين الأغنياء والفقراء في سبيل التعاون والتضامن، حتى يبرأ المجتمع من المتاعب والآلام، ويسود في أرجائه الصفاء والوئام.
_________________
(١) ١ إن كان أراد الفوارق المالية بحيث لا يكون غني وفقير ويتساوى الناس في الثروات، فهذا غلط معارض لنصوص الإسلام ومقاصده، بل إن سنن الحياة لا تستقيم إلا بذلك وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ . نعم، جاء الإسلام ليفك من ضيق الحاجة والفقر، فيؤمن الضروريات، ولا مانع بعد ذلك من بقاء تفاوت الممتلكات بين فرد وآخر.
[ ٢١٢ ]