ولما رأى الرماة الذين أوقفهم الرسول -ﷺ- فوق الجبل ليحموا ظهور المسلمين لما رأوا المسلمين قد بدأوا يجمعون الأسلاب والغنائم، نسوا١ أمر الرسول
_________________
(١) ١ بل لم يتقيدوا بالأوامر، ولفظ البخاري في حديث البراء بن عازب ٣٨١٧: فقال عبد الله بن جبير للرماة "لما انكسر المشركون وفروا عهد النبي -ﷺ- ألا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف الله وجوههم فأصيب سبعون قتيلًا " وكذا جاء في غالب الروايات وفي كتاب الله تعالى يصف ذلك: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ ﴾ آل عمران ١٥٢.
[ ٢٤٧ ]
-ﷺ- لهم، فتركوا موقفهم الحصين ونزلوا إلى مكان القتال ليجمعوا ما يستطيعون من تلك الأموال التي خلفها المشركون!.
وقد نصحهم رئيسهم عبد الله بن جبير بألا يتركوا مكانهم حرصًا على أوامر الرسول -ﷺ- فلم يستمع إليه سوى نفر دون العشرة.
وانتهز خالد بن الوليد١ هذه الفرصة، وكان على فرسان مكة٢، فشد برجاله على مكان الرماة فقتل من ثبت منهم، وفاجأ المسلمين من ورائهم وهم مشغولون بدنياهم، فاستولى عليهم الرعب والفزع وسادت الفوضى في صفوفهم، حتى صار يضرب بعضهم بعضًا وانعكست الآية٣، فبعد أن كان المسلمون يقاتلون صفًّا كأنهم بنيان مرصوص، إذا بهم الآن يقاتلون مبعثرين متناكرين دون رئيس يوجههم أو قائد يرعاهم وشاع بين الناس أن محمدًا -ﷺ- قد قتل، فعظمت البلية بين المسلمين، وفرح المشركون.
ولكن المسلمين عرفوا بعد ذلك أن الرسول -ﷺ- لا يزال حيًّا فأحاطوا به يدرءون عنه الأذى والعدوان، ويفتدونه بأنفسهم حتى ضربوا بذلك أروع الأمثال في الإيمان، ولكن الرسول -ﷺ- على الرغم من ذلك أصيبت رباعيته، وشج في جبهته، وجرحت شفته، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته، واستمات المسلمون بعد ذلك في القتال ولكن دون جدوى، فاضطروا
_________________
(١) ١ وكان يومها لم يزل مشركًا مع الكفار. ٢ على ميمنة الجيش، أو إحدى فرقه. ٣ لا يحسن استعمال هذا التعبير، وقد درج عليه العلماء والعامة في كلامهم.
[ ٢٤٨ ]
إلى الانسحاب والصمود في الجبل بعد أن قتل منهم سبعون شهيدًا، وقد قتل في هذه الغزوة حمزة بن عبد المطلب، ومثلت به هند زوج أبي سفيان بعد قتله -﵁- فبقرت بطنه وأخرجت كبده فمضغتها بأسنانها ثم لفظتها. وقد حزن الرسول -ﷺ- على عمه أشد الحزن وسجاه ببردته -ﷺ- وصلى عليه ثم دُفن ودُفن معه سائر الشهداء حيث لقوا مصارعهم.
وقد روى ابن إسحاق١ أن رسول الله -ﷺ- قال: "من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله -ﷺ- أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله
_________________
(١) ١ وهو عند مالك في "الموطأ" ٢/ ٤٦٦ بسند معضل. وقد قال الزرقاني في شرح "الموطأ" قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه مسندًا وهو محفوظ عند أهل السير، وقد ذكره محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المازني. وقال الحافظ ابن حجر: وفي الصحيح ما يشهد لبعضه، انتهى. قلت: وانظر الحديث في "أسد الغابة" ٢/ ٢٩٤، و"الاستيعاب" ٢/ ٥٩٠ وغير ذلك. وقد ذكر ابن كثير في "البداية" ٤/ ٣٩ عن الواقدي أن الرجل الذي التمس سعدًا بين القتلى هو محمد بن سلمة، ونقل عن "الاستيعاب" لابن عبد البر أنه أُبي بن كعب. مع أن الذي نقله ابن الأثير أنه أبو سعيد الخدري. ورأيت البيهقي في "الدلائل" ٣/ ٢٨٥ أسند الحكاية عن ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله به. وعند الحاكم سند لابن إسحاق لهذه الحكاية مغاير، ففي "المستدرك" ٣/ ٢٠ سنده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه فذكره، وهو مع كونه مرسلًا صحيح الإسناد، لكنه مخالف لسند ابن إسحاق في هذه الواقعة. وأما قول ابن عبد البر أنه لم يقف عليه من وجه مسند، فقد وقفت عليه من وجه مسند عند الحاكم ٣/ ٢٠ من حديث زيد بن ثابت، وصحح إسناده الحاكم ولم يتعقبه الذهبي بشيء، ولا في "السير" ١/ ٣١٩، ورجال سنده فيهم من لم أعرفه، كما ذكرت في "الدرك". لكن بكل حال يقوي حصول الحكاية، ويفيد ما لم يعرفه ابن عبد البر. والله أعلم.
[ ٢٤٩ ]
سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
ثم دفن الشهداء في أماكنهم التي قتلوا فيها، ورجع المسلمون بعد ذلك إلى المدينة يحز في نفوسهم الألم لما أصابهم، ويتطلعون ليوم قريب يشفي الله فيه صدورهم، ويذهب غيظ قلوبهم.
[ ٢٥٠ ]