أجمع المؤرخون على أن غزوة أحد كانت في نهايتها نصرًا للمشركين وهزيمة للمسلمين، ولكن مؤرخًا واحدًا١ خرج على هذا الإجماع واعتبر هذه الغزوة بالنسبة للمسلمين نصرًا لا هزيمة٢، ذلكم هو اللواء الركن الحاج
_________________
(١) ١ في تلقيب الحاج محمود بالمؤرخ، مجازفة، والحاج محمود لم يدع ذلك لنفسه، ولا علمت من وصفه بذلك غير المؤلف، والعجب كل العجب من قوله: المؤرخ الكبير، وما له في التاريخ كتاب واحد، إلا كلامه على غزوات ومعارك يتكلم عليها بحسب فهمه ونظراته العسكرية. ٢ قلت: عادة كثير من المؤرخين أنهم يوردون الواقعة ولا يتكلمون عليها فيقولون مثلًا من حرِّ كلامهم: وكان الغلبة فيها للمسلمين، أو نحو هذا، ولكن يقتصرون على ذكر الواقعة، ولعله لأجل ذلك لم يقف المؤلف ربما على من ذكر ذلك نصرًا. نعم، في كلام بعض المتأخرين ما يفهم منه أنه رأى أُحدًا فيها هزيمة للمسلمين. والرأي عندي أن مرد ذلك بالنظر للمعركة، دون تاليتها التي هي حمراء الأسد، والتي هي على الحقيقة تكملة لغزوة أحد، بدليل قوله -ﷺ-: "لا يخرج معنا إلا من شهد أُحدًا بالأمس" كما سيأتي ذكر ذلك، وأنهم خرجوا للقاء المشركين الذين لما سمعوا بهم رجعوا فارين لمكة بعد أن كانوا عزموا على لقاء المسلمين. فهذه كانت بمثابة الجولة الأخيرة من المعركة. لكن على كل حال لا بأس بإيراد بعض النقول التي مفادها أن ثمة من جعل أُحدًا نصرًا =
[ ٢٥٠ ]
محمود شيت خطاب في كتاب الرسول القائد.
_________________
(١) = ١- قول ابن المرابط من المالكية، فيما نقله عنه القاضي عياض في "الشفاء"، ونقله عنه القاضي القسطلاني في "المواهب اللدنية" ١/ ٤١٠ قال: من قال إن النبي -ﷺ- هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل إلى آخر كلامه، وذكر الخلاف فيه.
(٢) قول الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٣٤٧ هو يتكلم عن بعض فوائد غزوة أحد: أ- فيها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية ب- وأن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة ج- وأن تأخير النصر في بعض المواطن يكون هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون.. انتهى. قلت: فهذا يفهم منه ما كنت قدمته.
(٣) قول معبد بن أبي معبد الخزاعي لأبي سفيان، يخبره بأنه رأى رسول الله -ﷺ- بحمراء الأسد وقد رجع لقتال قريش ومن معها، فإنه قال أبياتًا يصف فيها الرسول -ﷺ- ومن معه: ترى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوًا أظن الأرض مائلة لما سمعوا برئيس غير مخذول "البداية" ٤/ ٥٠ عن ابن إسحاق وغيره. فانظر قوله: غير مخذول.
(٤) وفي شعر كعب بن مالك يصف معركة أحد: فلما تلاقينا ودارت بنا الرحا وليس لأمر الله فينا مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استفقنا عشية كأن ذاكرنا حر نار تلفع وراحوا سرعًا موجعين كأنهم جهام هراقت ماءه الريح مقلع ورحنا وأخرانا كأننا أسود على لحم ببيشة ضلع "البداية" ٤/ ٥٤.
(٥) وفي شعر حسان: طاوعوا الشياطين إذ أخزاهم فاستبان الخزي فيهم والفشل "البداية" ٤/ ٦٠ وغير ذلك. وانظر سياقات غزوة حمراء الأسد لا سيما عند ابن سعد ١/ ٣٢٣ ترتيب طبقاته. وعلى كل حال، فإن الله -﵎- قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ جاء في التفسير أن القرح للمسلمين كان بأحد، وللمشركين ببدر، فهذه حجة لمن اقتصر في النظر على أحد دون حمراء الأسد. وقال تعالى أيضًا: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ . وانظر آخر تعليق على هذه الغزوة.
[ ٢٥١ ]
وإليكم ما قاله هذا المؤرخ الكبير١:
لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة أحد نصرًا للمشركين واندحارًا للمسلمين، لأن مناقشة المعركة عسكريًّا تظهر انتصار المسلمين، على الرغم من خسائرهم الفادحة بالأرواح في هذه المعركة وتبدأ المناقشات من الوجهة العسكرية البحتة لإظهار حقيقة نتائج غزوة أحد.
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم، وتعفير لوائهم في التراب، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين وقطع خط رجعتهم، وهجوم المشركين من الأمام جعل قوات المشركين تطبق من كافة الجوانب على قوات المسلمين، وهذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم إلى الأخير، لأن نتيجة كل معركة عسكريًّا لا تقاس بعدد الخسائر بالأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء المبرم على العدو ماديًّا ومعنويًّا.
فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًّا ومعنويًّا؟
إن حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين، لا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة في المائة نصرًا، ولا يمكن اعتبار فشل القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديًّا ومعنويًّا، في مثل هذا الموقف الحرج للغاية إلا فشلًا
_________________
(١) ١ انظر الحاشية قبل السابقة.
[ ٢٥٢ ]
لها. ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاعوا الخروج لمطاردتها بعد يوم واحد من غزوة أحد١، دون أن تتجرأ قريش على لقائها بعيدًا عن المدينة، وخاصة وأن الرسول -ﷺ- قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت فعلًا بمعركة أحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس.
إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه بأحد نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كافة الجهات كانت الفناء التام٢.
ونحن نؤيد رأي هذا العالم الجليل ونؤمن به كل الإيمان، ولنا من موقف الرسول -ﷺ- من المسلمين حينما رجعوا من غزوة مؤتة ما يؤكد ذلك. فلقد استطاع خالد بن الوليد أن ينقذ ما بقي من جيش المسلمين من الفناء التام، بما صنع من خطة حربية مكنته من تضليل الأعداء والانسحاب بانتظام، وحينما رجع الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون الذين نظروا نظرة سطحية إلى الموقف وحثوا في وجوههم التراب، وقالوا لهم: يا فرار فررتم من الجهاد في سبيل الله، ولكن الرسول -ﷺ- وقد نظر إلى الموقف من جميع نواحيه- اعتبرهم منتصرين، وحياهم أحسن تحية، فقال: "لا، بل هم الكرار وأنا فئتهم" ٣.
وبعد فإن خير ما نختم به غزوة أحد، هو ذلك الدعاء الذي قاله الرسول -ﷺ- بعد رجوعه من هذه الغزوة، فلقد روى الإمام أحمد٤: لما كان يوم أحد
_________________
(١) ١ وهي المسماة بحمراء الأسد كما مضى. ٢ "الرسول القائد" لمحمود شيت خطاب ص ١١٩-١٢٠. ٣ جاءت هذه الواقعة، وهذا القول من عدة وجوه، وانظر "المسند" ٢/ ٨٦، ١٠٠، ١١١، و"سنن أبي داود" ٢٦٤٧، و"الترمذي" ١٧١٦، وابن سعد ١/ ٤٠٦ ترتيب طبقاته وغير ذلك. ٤ في المسند ٣/ ٤٢٤، وهو عند البزار ١٨٠٠، والطبراني في "الكبير" ٤٥٤٩، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ١٢٢، وعزاه للأولين فقط، بزيادة في آخره "اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل لعزة أهل الكتاب، إله الحق". وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٢٥٣ ]
وانكفأ١ المشركون قال رسول الله -ﷺ: "استووا حتى أثني على ربي -﷿" فصاروا خلفه صفوفًا فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين".
_________________
(١) ١ هذا قول صحابي يصف المشركين فيقول: انكفأ المشركون، والغالب أن هذه اللفظة تطلق على المدحور، وإن كنا لا ننكر أنها تطلق على كل من رجع لموضع أتى منه. فعلى المعنى الأول في الحديث تأييد لقول من قال بعدم انكسار المسلمين.
[ ٢٥٤ ]