كان جيش المشركين يبلغ ثلاثة آلاف -كما ذكرنا من قبل- وكان جيش المسلمين لا يزيد على سبعمائة، وقد رتب رسول الله -ﷺ- الجيش ونظمه تنظيمًا دقيقًا، ووضع خمسين رجلًا من الرماة٢ على شعب في الجبل وراء جيش المسلمين، وقال لهم: "احموا لنا ظهورنا، فإننا نخاف أن يجيئنا من ورائنا، والزموا مكانكم ولا تبرحوه، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقبل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل".
ثم التقى الجمعان، وبدأ القتال أولًا بالمبارزة، فكان النصر في جانب المسلمين، ثم حملت خيالة المشركين على المسلمين ثلاث مرات، وفي كل مرة ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون.
_________________
(١) ١ انظر تفاصيل المعركة في: "البخاري" ٣٨٢٤، و"مسلم" ٢٧٧٦، من حديث زيد بن ثابت. و"البخاري" ٣٨١٧، و"أبا دواد" ٢٦٦٢، من حديث البراء بن عازب. و"البخاري" ٣٨٣٨ من حديث عائشة. و"البخاري" ٣٨٣٧ و"مسلم" ١٨١١، ١٩٠٣ من حديث أنس. و"البخاري" ٣٨٤١ من حديث أبي طلحة. و"البخاري" ٣٨٢٨ و"مسلم" ٢٣٠٦ من حديث سعد بن أبي وقاص. و"البخاري" ٣٨٤٥ و"مسلم" ١٧٩٣ من حديث أبي هريرة. و"سيرة ابن هشام" ٣/ ٥، و"طبقات ابن سعد" ١/ ٣١٠ ترتيب طبقاته، و"المواهب اللدنية" ١/ ٣٩٤، و"مجمع الزوائد" رقم ١٠٠٥٧ وما بعده، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم رقم ٤١٤ وما بعده، و"البيهقي" ٣/ ٢٠٣، و"تاريخ الطبري" ٣/ ١٠٣، و"البداية" ٤/ ٩ و"الخصائص" ١/ ٥٣١، وغير ذلك مما يطول ذكره، وقد استوعبت سائر التفاصيل التي ذكرها المؤلف، وما كان من اختلاف أو ضعف ننبه عليه. ٢ وأمّر عليهم عبد الله بن جبير.
[ ٢٤٤ ]
ثم حمي القتال وكان نساء قريش يمشين خلال الصفوف يضربن بالطبول والدفوف، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهن يقلن:
ويْها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضربًا بكل بتار
ويقلن:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
فيشتد حماس الرجال إذا سمعوا نشيد النساء. ويتذكرون إخوانهم الذين قتلوا في يوم بدر، فتزداد حميتهم وإقبالهم على القتال، وكان -﵇- كلما سمع نشيد النساء يقول: "اللهم بك أجول، وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".
ولم يكن المسلمون بحاجة إلى من ينشد لهم الأشعار ليدفعهم إلى القتال، وإنما كانوا يندفعون بإيمانهم العميق، ويقبلون على الموت في سبيل الله، لأن الله وعدهم إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة، وفي كل منهما خير وسعادة.
[ ٢٤٥ ]