وتختلف الروايات حول بدء هذا البيت العتيق حتى إن بعض الرواة يرجعون به إلى الزمن الغابر البعيد، قبل أن يخلق آدم أبو البشر فيقولون: إن الملائكة -﵈- هم الذين تولوا بناءه١، ويذهب آخرون إلى أن آدم -﵇- هو أول من بناه، ويروون في ذلك حديثًا بسند يتصل إلى الرسول -ﷺ- أنه قال: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتًا. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب، فلما بناه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجَّه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه" ٢.
على أن هاتين الروايتين -أعني بناء الملائكة وبناء آدم البيت- موضع خلاف بين العلماء والمؤرخين.
_________________
(١) ١ وهي مجرد أقاويل ليس فيها شيء منسوب للنبي -ﷺ- كما سيأتي. ٢ أخرجه البيهقي كما في "البداية والنهاية" ٢/ ٢٩٩ من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا. ثم قال: قال البيهقي: "تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا". قلت -القائل ابن كثير-: وابن لهيعة ضعيف، ووقفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت، والله أعلم.
[ ١٦ ]
والقول الراجح أنهما غير ثابتتين١، وأنهما على فرض صحتهما ليستا بناء كاملًا للبيت وإنما هو مجرد تأسيس ٢، ولكن الذي لا شك فيه أن إبراهيم وإسماعيل -﵉- هما اللذان رفعا قواعد البيت الحرام، وفي ذلك يقول الله -﷿- في محكم كتابه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
ثم انتقل أمر المسجد الحرام إلى الجراهمة الذين صاهرهم إسماعيل، وظل في أيديهم قرابة ألف عام، ثم آل أمر البيت بعد ذلك إلى قبيلة خزاعة التي أصبحت صاحبة السيادة والسلطان في مكة.
واستمر المسجد الحرام في أيديهم أكثر من قرنين من الزمان، وكثيرًا ما كانت
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ١/ ١٦٣ في قصة بناء البيت العتيق: لم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل إبراهيم ﵇. ومن تمسك في هذا بقوله تعالى: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾، فليس بناهض ولا ظاهر؛ لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه -على الموضع- قبة، وأن الملائكة قالوا: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يومًا، ونحو ذلك. ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل. وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهي مردودة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، أي الحجر الذي كان يقف عليه قائمًا لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه إلى آخر ما قال ابن كثير. وقد رجع ابن كثير في "البداية" "٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩" فذكروا روايات بني إسرائيل في ذلك، وأعاد التأكيد أنه لا يصح إلا أن البيت من بناء إبراهيم ﵇. ٢ أو بيان للموضع وحدوده فقط. ٣ سورة البقرة، الآية ١٢٧.
[ ١٧ ]
السيول تطغى على مكة وتدمر في هذا المسجد، حتى أعاد بناءه قصي بن كلاب الذي طرد الخزاعيين من مكة وجعل للمسجد سقفًا لأول مرة في تاريخه، وبنى حول المسجد بيوتًا تطل عليه، ثم أشرفت قريش على الكعبة بعد قصي، فأصابها حريق١، فأعادوا بناءها وأقاموا بداخل البناء ستة أعمدة ليعتمد السقف عليها.
_________________
(١) ١ في "السيرة الحلبية" "١/ ٢٢٩" وغيرها، أن سبب الحريق امرأة بخرت الكعبة، فطارت شرارة فعلقت بثوب الكعبة فأحرقتها، وقيل غير ذلك. وجميع هذه الأقوال المتقدمة ليس فيها شيء متيقن، لكنه مذكور في تاريخ الأزرقي، والسيرة الحلبية، وسيرة ابن هشام ١/ ١١٦ وغير ذلك من الكتب، وسيأتي تفصيل في هذا.
[ ١٨ ]