البيعة الأولى:
ومضت الأيام وأقبل موسم الحج عام ٦٢١م وفيه وفد اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب، فأزالت أخبارهم السارة كل هموم النبي -ﷺ- عندما لاقاهم في المكان المتفق عليه مع الستة الذين أسلموا في الموسم الماضي "عند العقبة بالقرب من منى".
[ ١٦٣ ]
وحينما التقى رسول الله -ﷺ- بوفد المدينة، حدثوه بأن أهل بلدهم ينتظرونه ليلتفوا حوله ويعتنقوا رسالته حتى يمكنهم أن ينتصروا على اليهود ويتخلصوا مما يحيط بهم من الخلاف والشقاق.
وفرح رسول الله -ﷺ- بلقاء الوفد، فلقد زاد عدد المسلمين إلى اثني عشر رجلًا، ومن ورائهم أهل يثرب، مستعدين لقبول الدعوة الإسلامية وحماية صاحبها، وفي هذه المقابلة تمت بيعة العقبة الأولى.
وقد تحدث عن هذه البيعة عبادة بن الصامت -﵁- فقال: بايعنا رسول الله -ﷺ- على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. ثم قال: "فإن وفيتم فلكم الجنة" ١.
وتُسمى هذه البيعة في التاريخ: بيعة النساء، لأنها توافق الشروط التي ورد ذكرها في سورة الممتحنة خاصة بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وتعرف أيضًا بيعة العقبة، نسبة إلى المكان الذي عقدت عنده، وبعد أن تمت هذه البيعة واستعد القوم للرحيل والعودة إلى يثرب، بعث النبي -ﷺ- معهم مصعب بن عمير -﵁- يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويجمع المسلمين ويصلي بهم، ولقد كان للتعاليم الإسلامية التي شرحها لهم مصعب أثر عظيم في
_________________
(١) ١ الحديث صحيح أخرجه البخاري ٣٨٩٣، ومسلم ص: ١٣٣٣ وغيرهما. ٢ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
[ ١٦٤ ]
إقبال الناس على الدخول في الدين الإسلامي، لأنهم لم يروا فيه عنتًا أو مشقة، وإنما وجدوا يسرًا وفضائح يصلح بها حالهم ويستقيم أمرهم في الدنيا والآخرة، مع ما كان لهم من استعداد وترقب لرسول تحدثت به اليهود وأخبرت عنه الكتب السماوية، ولذلك زاد عدد الداخلين في الإسلام بيثرب زيادة واضحة، وأسلم على يد مصعب عدد كبير حتى لم تبق دار إلا وفيها مسلمون.
وكان النبي -ﷺ- هادئ النفس، ولا تبدو عليه آثار التحمس للدعوة في الفترة التي كان الإسلام يتغلغل فيها في المدينة، وظنت قريش أن هدوء النبي -ﷺ- ما هو إلا أمارة من أمارات الانصراف عن الدعوة، بعد أن لقي من قريش وثقيف أنواع العذاب، ولذلك رأت أن تخفف من اضطهادها له. ولكن الحقيقة هي أن محمدًا -ﷺ- حول اهتمامه من قريش في مكة إلى أهل يثرب الذين كانوا دعاة صادقين وأنصارًا متحمسين، لأن نفوسهم كانت متلهفة إلى دين يوحد كلمتهم ويجمع صفوفهم، ويطهر نفوسهم من العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف، فجاءت تعاليمه على يد أولئك الذين أسلموا وكأنها الدواء الشافي لأمراضهم وعللهم.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ١.
وكان الرسول -ﷺ- يفكر في مصعب أثناء غيبته ويفكر في أهل المدينة، ويدعو لمصعب بالتوفيق، ولأهل المدينة بالخير والهداية.
وقد أخذ يتحرى أخباره، وما لاقاه من الأوس والخزرج، هل لبوا النداء؟ وهل أجابوا داعي الله؟
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
[ ١٦٥ ]
وهل تكون يثرب مشرق النور الإلهي وينبوع الخير الأبدي؟ ١
وظل هكذا، حتى عاد مصعب إلى مكة في موسم الحج بعد إقامة دامت هناك حوالي عام تقريبًا، وقص على النبي -ﷺ- خبر المسلمين بالمدينة وأنهم في ازدياد وقوة، وأنهم بعد أيام سيجيئون في موسم الحج أكثر عددًا وأعظم إيمانًا بالله ورسوله.
_________________
(١) ١ انظر "المواهب اللدنية" ١/ ٢٨٠، وما قدمنا من المراجع.
[ ١٦٦ ]