كان بين الأوس والخزرج منذ استقروا في مدينة يثرب صراع قوي على المجد المادي والأدبي، أوجدته العصبية الجاهلية التي كانت تمشي في أرجاء الجزيرة العربية كما يمشي الوباء. وتسري بين القبائل والبطون كما تسري النار في الهشيم١. وكثيرًا ما أدت هذه العصبية بين الأوس والخزرج إلى حروب دامية لم تكن تهدأ حينًا إلا لتبدأ من جديد قوية عنيفة، وكان آخر هذه الأحداث ما وقع بين الفريقين في يوم بعاث٢، وهو يوم مشهور في تاريخ الأوس والخزرج، هلك فيه قادتهم ورؤساؤهم، وتصدعت قوتهم، وتعرض مركزهم في يثرب للدمار والانهيار.
وكان يجاورهم في يثرب جماعات من اليهود، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وطالما كان هؤلاء اليهود يثيرون العداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج حتى يأكل بعضهم بعضًا، وحينئذٍ يقيم اليهود على أنقاض هذا الضعف قوة لهم. وقد أدرك الأوس والخزرج هذا الشعور من اليهود، فأخذوا يعضون بنان الندم، ويحسون بالخطر الداهم يحيط بهم، ويتطلعون ذات اليمين وذات الشمال إلى قائد وزعيم يوحِّد كلمتهم ويجمع شملهم.
وكان يزيد من خوف الأوس والخزرج أن اليهود كانوا يتوعدونهم بين الحين
_________________
(١) ١ وربما كانت بتحريض ومكائد من اليهود، كما قدمنا أول الكتاب وسيأتي. ٢ تقدم ذكره من قبل.
[ ١٦١ ]
والحين بظهور نبي من العرب يُبعث، قد قَرُب زمانه يعرفونه بأوصاف ذُكِرت في كتبهم، ويتمنون لقاءه والالتفاف حوله حتى يقوي أمرهم ويطردوا الأوس والخزرج من المدينة١.
وهذا الشعور الذي امتلأت به نفوس الأوس والخزرج هو الذي جعل قلوبهم مستعدة لقبول الإسلام، والخضوع لقيادة محمد ﵊.
وقد شاء الله أن يلتقي جماعة من الخزرج بمحمد -ﷺ- في مكة، وكان ذلك في موسم الحج سنة ٦٢٠م، فسألهم الرسول -ﷺ- عن أحوالهم وعن علاقتهم باليهود، وحدثهم عن الدين الجديد، وبين لهم أصوله وتعاليمه، ودعاهم إلى الدخول فيه، وتلا عليهم بعض آيات من القرآن، فتأثروا إلى حدٍّ كبير بما سمعوا.
ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله إنه النبي الذي تتحدث عنه اليهود وتهددنا به. فأسلم ستة منهم، ووعدوه بنشر الإسلام بين أهلهم٢.
_________________
(١) ١ وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: من الآية: ٨٩] . وقد أخرج أبو نعيم في "الدلائل" عن ابن عباس قال: "كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يُبعث محمد يستفتحون الله، ويدعون على الذين كفروا، ويقولون: إنا نستنصرك بحق النبي الأمي، ألا نصرتنا عليهم فينصرون ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ يعني محمد، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ . وأخرج نحو هذا من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن شيوخ له. وهذا الوجه الثاني عند ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في "الدلائل". وفي الباب أحاديث كثيرة في هذا ذكر أكثرها السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ١٦٩-١٧٠. ٢ في مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب ذكر جماعة منهم معاذ بن عفراء، وأسد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان، وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. أسند ذلك البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤٣١-٤٣٢ عنه ثم قال: وذكر ابن إسحاق ذلك عن شيوخه أتم مما رواه موسى عن ابن شهاب، وزعم أنه لقي نفرًا منهم أسعد بن =
[ ١٦٢ ]
ثم عاد هؤلاء الستة إلى المدينة -يثرب- وذكروا لقومهم أمر ملاقاتهم لمحمد -ﷺ- وعرضه عليهم الإسلام، فصدقوا به وآمنوا برسالته، فسارع بعضهم إلى الدخول في هذا الدين قبل اليهود، ولم تبق دار من دورهم إلا وفيها ذكر محمد عليه الصلاة والسلام١.
وفي تلك الأثناء كان النبي -ﷺ- في مكة ينتظر أخبار هؤلاء الستة الذين وعدوه المجيء في الموسم القادم، ليرى أثر دعوتهم في المدينة.
_________________
(١) = زرارة، ثم انصرفوا حتى كان العام المقبل أتى الموسم اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة الأولى، فبايعوه فيهم أسعد، وعبادة بن الصامت وبعث بعدهم أو معهم مصعب بن عمير ثم أسند البيهقي ذلك عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه فذكر القصة وأنهم ستة نفر هم -يعني من أسلم أولًا: أسعد بن زرارة، وعوف بن مالك، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، قلت: فحصل اثنا عشر من المجموع لا ستة، وقد وقع اختلاف في رواية ابن إسحاق نفسه مما يدل على أن العدد أزيد من ستة، كما نبه البيهقي ٢/ ٤٣٥. ١ انظر "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٤٠ وما بعد بترتيبي، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ٦٦ وما بعدها، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٤٣١ وما بعدها، "البداية" ٣/ ١٤٧ وما بعدها، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٧٨.
[ ١٦٣ ]