وكانت هذه الأنباء المثيرة التي ترامت إلى مسامع المهاجرين والأنصار في المدينة حول هذا الجيش الجرار الزاحف عليهم هي كل شيء يشغل تفكير الرسول -ﷺ- والمسلمين، ماذا يصنعون أمام هذه القوة الطاغية التي تسرع نحوهم؟ أيمكثون بالمدينة ويتحصنون في دورها؟ أم يخرجون للقاء العدو مهما احتملوا من المتاعب والآلام، ومهما بذلوا من التضحيات الجسام؟
وجلس رسول الله -ﷺ- يستشير أصحابه ويستطلع أراءهم في هذه المحنة. وكان من عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يستشير أصحابه فيما يعرض له من مشاكل، فإذا اقتنع بعد هذه المشورة برأي أمضاه متوكلًا على الله، وقدر علمه الله بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ١.
وهنا، وفي وسط هذا الظلام الذي يخيم على النفوس يطلع سلمان الفارسي -﵁- على الرسول -ﷺ- والمسلمين برأي سديد وفكرة صائبة تشرق لها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، ذلك أنه أشار عليهم بحفر الخندق في الجهة التي يخشى منها خطر الزحف على المدينة.
وكانت فكرة حفر الخندق فكرة عجيبة لم يعرفها العرب قبل ذلك، وإنما عرفها الفرس في حروبهم، وأخذها عنهم سلمان الفارسي -﵁- وحينما رأى الرسول الكريم -ﷺ- قوة هذا الرأي واقتنع بصوابه، أمر بوضعه موضع التنفيذ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[ ٢٦٥ ]
وقام يباشر بنفسه هذا العمل الكبير.
ويقع المكان الذي اختاره الرسول -ﷺ- ليحفر فيه هذا الخندق في شمال المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية١، وهذه هي الجهة التي كانت عورة يمكن أن تؤتى المدينة من قبلها، أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل ولا يتمكن العدو من الحرب في جهتها، وبهذا يتبين لنا أن فكرة الخندق عمل حربي ناجح، وسهم رائش٢ صوبه المسلمون إلى قلب أعدائهم فنفذ إلى الصميم.
وبدأ المسلمون يعملون في حفر الخندق، وكان رسول الله -ﷺ- يعمل معهم بيديه، وكان يتمثل بقول القائل٣:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
وكان دائم التشجيع للمسلمين، فإذا رأى ما حل بهم من التعب والجوع يذكرهم بالآخرة، وما أعد للمؤمنين فيها من السعادة والنعيم، قائلًا:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة".
فيرد عليه المسلمون -وقد امتلأت نفوسهم بالإيمان، ونسوا ما هم فيه من الآلام والمتاعب- قائلين:
_________________
(١) ١ والحرة: أرض من الصخر الأسود. ٢ أي صائب. ٣ القائل هو عبد الله بن رواحة.
[ ٢٦٦ ]
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وهكذا يتجاوب القائد الأعلى مع جنوده المخلصين، ويتجاوب الجنود المخلصون مع قائدهم الأمين، وهكذا القيادة الرشيدة إنما تثبت أصولها في جوٍّ من الإخلاص والتسامح، ويقوم بنيانها على دعائم من الإخاء والمساواة، ولقد عود الرسول -ﷺ- أصحابه هذا اللون الكريم من المعاملة الكريمة.
ولا يزال المسلمون يذكرون موقف نبيهم في بناء مسجد المدينة وكيف كان يمل بنفسه، ويحمل الأحجار بيديه، وكيف كان هذا العمل الكريم يحفز المسلمين ويقوي من عزائمهم، حتى ليقول بعضهم لبعض:
لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل١
وسيظل المسلمون على توالي الأجيال والقرون يذكرون موقف الرسول -ﷺ- من أصحابه، حينما أرادوا أن يصلحوا شاة لطعامهم وهم -حينئذٍ- في سفر، فقال واحد منهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: وعليَّ سلخها، وقال الثالث: وعليَّ طبخها، فقال الرسول -ﷺ-: "وعلي جمع الحطب"، قالوا: يا رسول الله، إنا نكفيك العمل، قال: "علمت أنكم تكفونني إياه، ولكني أكره أن أتميز عليكم" ٢.
ألا إن هذه المثل العالية من طاعة الجند لقائدهم، ومن إخلاص القائد لجنوده وحسن معاملته لهم وتعاونه معهم تعاونًا كاملًا بعيدًا عن الكبرياء والغرور.
ألا إن ذلك لهو النور الذي يضيء لنا السبيل إذا غشيتنا ظلمات المحن والخطوب.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه. ٢ لم أقف عليه.
[ ٢٦٧ ]
وإنه لمن الحق علينا أن نفتح قلوبنا لهذا التاريخ الخالد، وأن نأخذ من عبره وعظاته ما يجنبنا الزلل، ويقينا شر العثرات والسقطات.
[ ٢٦٨ ]