وكان موت أبي طالب وموت السيدة خديجة مشجعًا لقريش على المضي في عدائهم للرسول -ﷺ- بل لقد أخذوا يسرفون في العدوان والأذى حتى بلغ الأمر بهم أن ألقى بعض السفهاء الأقذار عليه، وهو في طريقه إلى بيته١، وهذا مثل من أمثلة كثيرة فعلها هؤلاء المشركون الآثمون مع محمد -ﷺ- في هذه الفترة.
وكان ذلك من أهم الأسباب التي جعلته يخرج إلى الطائف لعله يجد من قبيلة ثقيف -وهي أهم قبائل العرب بعد قريش- من ينصره ويؤازره.
ولكن -ويا للأسف- لم يجد منهم إلا الجحود والإعراض، والسخرية والاستهزاء، حتى لقد أغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبونه ويصيحون وراءه ويقذفونه بالحجارة، حتى ابتعد عن الطائف ولجأ لحديقة مملوكة لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فاحتمى بها وجلس في ظل شجرة من أشجارها، وقد أجهده التعب، ودميت عقبه وضاق صدره، واشتد به الكرب والبلاء، ثم لجأ إلى الله بهذا الدعاء:
_________________
(١) ١ ولقد حصل هذا أول الدعوة أيضًا كما ذكرناه في موضعه.
[ ١٤٩ ]
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك".
فلما رأى عتبة وشيبة ما أصاب محمدًا -ﷺ- من جهد وتعب: رقا له، وتحركت فيهما نخوة الكرم، فأرسلا إليه عبدهما المسيحي عداسًا بقطف من العنب فلما مد الرسول -ﷺ- يده قال: "بسم الله" ثم أكل.
فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد.
فقال له الرسول -ﷺ-: "من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ "
قال: نصراني من نينوى.
قال: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ "
فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
قال -ﷺ: "ذاك أخي. أنا نبي وهو نبي" ١.
_________________
(١) ١ ذكر جميع هذه القصة ابن سحاق في السيرة من وجه مرسل عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠: ٦٣. وأخرج البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤١١-٤١٥ القصة دون ذكر الدعاء، من مرسلات ابن شهاب الزهري. وأخرج أبو نعيم في دلائله رقم ٢٢١ كذلك القصة دون الدعاء، بسند ضعيف عن عروة بن الزبير مرسلة. وأخرج ابن سعد في الطبقات "١/ ٢٣٦-٢٣٧-٢٣٨ ترتيب الطبقات" القصة =
[ ١٥٠ ]
فأكب عداس على محمد -ﷺ- يقبل رأسه ويديه وقدميه.
ولما رجع عداس إلى ابني ربيعة، قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل هذا الرجل؟ فأجابهما قائلًا: ما في الأرض خير من هذا الرجل.
وقد رجع الرسول -ﷺ- بعد ذلك إلى مكة، فوجد قومه يقفون بالمرصاد لكي يمنعوه من الدخول، فاستجار بالمطعم بن عدي، فأجاره المطعم وتسلح هو
_________________
(١) = دون ذكر الدعاء من وجوه متعددة ضعيفة جدًّا فيها الواقدي. ورأيت الطبراني أخرج القصة من طريق محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي -ﷺ- إلى الطائف ماشيًا على قدميه، فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فانصرف فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: "اللهم فذكر الدعاء. وقد أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ٣٠ وقال: رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات. انتهى. قلت: عد عنعن هنا، وانظر السند عند الطبراني ٢٥/ ٣٤٦ وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا. ومن عجيب ما وقفت عليه قول القرطبي في تفسيره من سورة الأحقاف ١٦/ ٢١٠ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ﴾ [الأحقاف: من الآية: ٢٩] قال: قال المفسرون: ابن عباس، وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم: لما مات أبو طالب -فذكر قصة خروجه إلى الطائف جميعها، وفيها الدعاء المذكور. ولم أر من أسند ذلك عنهم. وثمة في أخبار خروجه -ﷺ- إلى الطائف أحداث لم أر إلا النادر من كتب السيرة تتحدث عنها، منها: دخوله -ﷺ- على رقيقة، وأمره لها بترك عبادة الطواغيت، والحديث في "كبير الطبراني" ٦٤٣١ بسند ضعيف. ومنها: قراءته -ﷺ- سورة والسماء والطارق حتى ختمها، رواه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣٣٥ من حديث خالد العدواني. ومنها: حديث جبريل وعرضه على النبي -ﷺ- أن يطبق على أهل الطائف الأخشبين -الجبلين- وقوله -ﷺ-: "أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا" أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة كما في "البداية" ٣/ ١٣٧.
[ ١٥١ ]
وبنوه لحمايته حتى دخل مكة والطاف، البيت، ثم انصرف إلى منزله في حراسة المطعم وأولاده١ ليعود إلى الكفاح من جديد، وليستأنف تبليغ الدعوة في هذا الجو العاصف المليء بالأخطار والمخاوف.
_________________
(١) ١ ذكر هذه الواقعة الآمدي في مغازيه، كما في "البداية" ٣/ ١٧ وابن إسحاق والفاكهي، بإسناد مرسل أيضًا، وانظر "المواهب" ١/ ٢٧٢.
[ ١٥٢ ]