ولم يقف الرسول -ﷺ- أمام أعدائه الذين يتربصون به الدوائر موقفًا سلبيًّا، ولم يكتف بمجرد الدعاء عليهم، ولكنه بدأ دوره الإيجابي في استئصال جذور الشر والقضاء على الفتن كلما اشتعلت نارها. وقد خرج من أجل ذلك في عدة غزوات صغيرة، وهي غزوة ذات الرقاع، وغزوة بدر الأخيرة، وغزوة دومة الجندل.
فأما غزوة ذات الرقاع فقد كان الغرض منها إحباط المحاولة التي قام بها بنو محارب حيث أرادوا غزو المدينة، وكان الغرض منها كذلك تأديب بعض القبائل التي كانت تعتدي على المسلمين بين الحين والحين.. وقد خرج الرسول -ﷺ- حينما علم بتجمع بني ثعلبة وبني محارب واتفاقهم على غزو المدينة، وكان معه أربعمائة١ ما بين راكب وراجل، وولى على المدينة عثمان بن عفان، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم في نجد على مرحلتين من المدينة، وقد أزعجتهم مباغتة الرسول -ﷺ- لهم فخافوا وتفرقوا في رءوس الجبال تاركين نساءهم وأموالهم، وعلى الرغم من ذلك كان الرسول -ﷺ- حذرًا وخائفًا من غدرهم وخيانتهم، فصلى بالمسلمين صلاة الخوف.
وقد ألقى المسلمون الرعب في قلوب أعدائهم ثم رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين٢.
_________________
(١) ١ وقيل: سبعمائة. ٢ انظر هذه الغزوة في "طبقات ابن سعد" ٢/ ٦١، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ١٥٧، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٦٣، و"مغازي الواقدي" ١/ ٣٩٥، و"صحيح مسلم بشرح النووي" ١٢/ ١٧، و"صحيح البخاري" ٥/ ١١٣، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٥٥، وابن حزم ١٨٢، و"عيون الأثر" ٢/ ٧٢، و"البداية" ٤/ ٨٣، والنويري ١٧/ ١٥٨، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٣٥٣، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٣٦٩، وغير ذلك.
[ ٢٥٩ ]
وأما غزوة بدر الآخرة: فقد كانت بعد غزوة أحد بعام كامل، وكانت ردًّا على أبي سفيان حيث توعد المسلمين بعد غزوة أحد، وقال: يوم بيوم بدر، والموعد العام المقبل في بدر.
وقد خرج المسلمون في ألف مقاتل ما بين راكب وراجل بقيادة الرسول -ﷺ- وكان خروجهم بنفس الوقت والموعد الذي وقعت فيه غزوة أحد، وإلى نفس المكان الذي توعدهم باللقاء فيه أبو سفيان له دلالته الواضحة على قوة المسلمين وثقتهم.
وأما أبو سفيان وقبيله فقد عاكسهم الحظ ولم يتمكنوا من تجهيز الجيش الذي يثقون به، فأرادوا أن يثبطوا همة المسلمين فأرسلوا رجلًا١ إلى المدينة يقول لهم: إن قريشًا قد جمعت جيشًا لا قبل لكم بمواجهته ولكن زادهم هذا القول إيمانًا على إيمانهم وخرجوا في شجاعة وإقدام حتى وصلوا إلى بدر، وأقاموا فيها ثمانية أيام يتحدون المشركين وينتظرونهم، ولكن المشركين وعلى رأسهم أبو سفيان- آثروا السلامة والعافية، فرجعوا إلى مكة يجللهم العار، وكانوا قد خرجوا وقطعوا من الطريق مرحلتين٢.
وهكذا كانت غزوة بدر الآخرة إعلانًا كريمًا للمسلمين، ووصمة عار في جبين المشركين، وقد محت هذه الغزوة كل أثر سيئ لمعركة أحد داخل المدينة وخارجها على حد سواء.
_________________
(١) ١ هو نعيم بن مسعود الأشجعي. ٢ جاءت قصة هذه الغزوة من وجوه متعددة تقتضي ثبوتها، وانظر "طبقات ابن سعد" ٢/ ٥٩، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٣، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٦٣، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٥٩، و"عيون الأثر" ٢/ ٧٤، و"البداية" ٤/ ٨٧، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٣٦٠، و"السيرة الشامية" ٤/ ٤٧٨، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٣٨٤، وغير ذلك.
[ ٢٦٠ ]
وإلى هذه الثروة يشير القرآن الكريم في قوله سبحانه:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وأما غزوة دومة الجندل، فقد خرج الرسول -ﷺ- فيها بألف من المسلمين، وكان الغرض منها تأديب القبائل البدوية التي تقطن في منطقة دومة الجندل، وهي على الحدود بين الحجاز والشام.. وقد نجحت هذه الغزوة بإلقاء الرعب والفزع في قلوب هذه القبائل، ففروا من وجه المسلمين ولم يشتبكوا معهم في قتال٢.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآيتان ١٧٣، ١٧٤. ٢ وقد أقام -ﷺ- بدومة الجندل أيامًا، وبث السرايا، وفيها أخذ محمد بن مسلمة وعرض عليه الإسلام فأسلم. كما جاء ذكر هذه الغزوة من وجوه متعددة، وانظر: "طبقات ابن سعد" ٢/ ٦٢، "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٨، "أنساب الأشراف" ١/ ١٦٤، "تاريخ الطبري" ٢/ ٥٦٤، "مغازي الواقدي" ١/ ٤٠٢، "السيرة" لابن حزم ص ١٨٤، "عيون الأثر" ٢/ ٧٥، و"البداية والنهاية" ٤/ ٩٢، النويري ١٧/ ١٦٢، "السيرة الحلبية" ٢/ ٣٦٢، "دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٣٨٩، "السيرة الشامية" ٤/ ٤٨٤، "المواهب اللدنية" ١/ ٤٤٤، وغير ذلك.
[ ٢٦١ ]