صور من البطولة والإيمان
صور من البطولة والإيمان:
وهناك أمثلة كثيرة من البطولة والإيمان في هذه الغزوة، وحسبنا أن نسجل الآن بعضها عسى أن يكون في ذلك ذكرى وتبصرة
[ ٢٤٥ ]
فهذا أبو دجانة يلبس عصابته الحمراء -وكان يسميها عصابة الموت ويمشي بين صفوف المجاهدين مشية الخيلاء، ويراه الرسول -ﷺ- فيقول: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
وقد نزل إلى الميدان بعد أن أخذ السيف من رسول الله -ﷺ- وأخذ ينشد:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
وهو يقصد بالكيول مؤخرة الصفوف، فكأنه يقول: لن أكون أبدًا إلا في المقدمة ما دمت أضرب بسيف الله والرسول، وقد أعمل سيفه في المشركين فألقى في قلوبهم الرعب، وحينما انكشف ظهر المسلمين في آخر المعركة، وأصبح رسول الله -ﷺ- هدفًا لنبال المشركين تترس عليه أبو دجانة، فظل النبل يقع على ظهره -وهو منحنٍ على جسم الرسول -ﷺ- حتى انجلت المعركة، وهكذا آثر رسول الله على نفسه وأحب رسول الله -ﷺ- أكثر من حبه لنفسه.
وهذا أبو خيثمة، قُتل ابنه في معركة بدر فجاء إلى رسول الله -ﷺ- يقول: لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت -والله- عليها حريصًا، حتى ساهمت ابني في الخروج في القرعة فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول لي: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًّا، ثم قال: وقد أصبحت يا رسول الله مشتاقًا إلى مرافقته وقد كبرت سني ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابني في الجنة. فدعا الرسول له، فنال نعمة الاستشهاد في هذه المعركة.
[ ٢٤٦ ]
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله -ﷺ- فلما توجه الرسول -ﷺ- إلى أحد، أراد أن يخرج معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو رسول الله -ﷺ- فقال: إن بني هؤلاء يمنعوني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال له رسول الله: "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد". وقال لبنيه: "وما عليكم أن تدعوه لعل الله -﷿- أن يرزقه الشهادة". فخرج رسول الله -ﷺ- فقتل يوم أحد شهيدًا، وحقق الله له ما طلبه وتمناه.
وكان نعيم بن مالك يقول في ذلك اليوم: "فوالذي نفسي بيده لأدخلن الجنة. فيقول له الرسول -ﷺ-: "بم؟ " أي بأي شيء تستحق دخول الجنة؟ فيقول بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف. فيقول له الرسول -ﷺ: "صدقت " وكتب الله له الشهادة في هذا اليوم ودخل الجنة، وهكذا أقسم على الله فأبره.
وقد حمل المسلمون على لواء المشركين فكان إذا سقط اللواء من يد واحد أخذه من خلفه، فيحمل عليه المسلمون فيقتلونه، فيأخذ اللواء رجل آخر حتى قتل حملة اللواء من المشركين، ولما لم يقدر أحد على الدنو منه ولوا الأدبار، ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الأسلاب والغنائم.
[ ٢٤٧ ]